تخطَّ إلى المحتوى
MORTAR & KETTLE
APOTHECARY OF FLAVOR
→ كلّ الحواشي
؀١٥الكيمياء

أكثرُ ما تتكوّن منه الوردة لا رائحةَ ورد له

السيترونيلول والجيرانيول هما الوفيران. وجزءٌ كبيرٌ من زيت الورد شمعٌ عديمُ الرائحة. أمّا الجزيءُ الذي يجعل الرائحة وردًا لا يُخطئه أحد فيقع دون عُشر الواحد بالمئة بكثير، والرقمُ الشهيرُ المعلَّقُ به يتبيّن أنّه ليس قياسًا.

٣ أغسطس ٢٠٢٦·قراءة ٨ دقائق·١٠ مصادر
أكثرُ ما تتكوّن منه الوردة لا رائحةَ ورد له

ضَعْ قارورةً من زيت الورد الحقيقيّ في الثلّاجة يكفّ عن كونه سائلًا. تتكوّن فيه بلّوراتٌ شمعيّةٌ فيغيم ويتصلّب. وليس ذلك عيبًا، ولا هو فسادُ الزيت. إنّه أحد أقدم اختبارات التحقّق من أنّك اشتريتَ الأصل، لأنّ جزءًا كبيرًا من زيت الورد المُقطَّر بالبخار يتكوّن من بارافينات طويلة السلسلة لا رائحة لها البتّة.

تلك أولى مفاجآت كيمياء الورد وليست آخرها. فأكثرُ ما تتكوّن منه الوردةُ ماديًّا ليس هو ما تشمّه من الوردة.

الوفيرون

المركّباتُ التي تُسمّى عادةً «ورديّة» هي الكحولات التربينيّة. فالسيترونيلول، C₁₀H₂₀O، هو عادةً أكبرُ مكوّنٍ عطريٍّ منفردٍ في زيت الورد. ١ والجيرانيول ومتصاوغه السيسيّ النيرول يشتركان في الصيغة C₁₀H₁₈O ويقفان إلى جانبه. وهي ورديّةٌ حقًّا، وموجودةٌ بكميّة، ولو شممتَها وحدها لوافقتَ على أنّها تنتمي إلى وردة.

غير أنّك لن تقول إنّ الوردة في الغرفة. فهي جسدُ الرائحة لا توقيعُها، ولهذا يتحدّث صانعو العطور عن بناء قاعدةٍ للوردة ثمّ البحث عن الشيء الذي يجعلها تحيا.

الجزءُ الذي لا رائحة له

ثمّ يأتي الشمع. فزيتُ الورد يحمل نسبةً كبيرةً من الألكانات المستقيمة عديمة الرائحة، وأبرزُها النونادِيكان والهِنيكوسان، وتُسمّى مجتمعةً الستيروبتين. والأرقامُ المُبلَّغ عنها تتفاوت تفاوتًا واسعًا بحسب الصنف والطريقة، من آحادٍ إلى ما يزيد على ثلث الزيت وزنًا، فعامِل أيَّ رقمٍ مفردٍ بريبة. والثابتُ أنّ هذا الجزء كبير وأنّه لا يسهم بأيّ رائحة. وهو ما يتبلّور في البرد.

فقارورةُ زيت الورد إذن، من حيث الكتلة، خليطٌ في جانبٍ كبيرٍ منه من شمعٍ بلا رائحة وكحولاتٍ لطيفةٍ لكن غير لافتة. أمّا الشيء الذي تتعرّف عليه فعلًا فلم يظهر بعد.

لماذا ليس زيت الورد ومطلقُه الزهرة نفسها

ثمّة دليلٌ نظيفٌ على مقدار ما تصوغه الطريقةُ من النتيجة. فالتقطيرُ بالبخار والاستخلاصُ بالمذيب من البتلات نفسها يعطيان رائحتين مختلفتين اختلافًا ملحوظًا، والتفسيرُ المعتاد هو كحولُ الفينيل إيثيل، المركّبُ الأكثرُ مسؤوليّةً عن القمّة المنعشة الحلوة التي تكاد تكون مربّاويّة في وردةٍ طازجة. وهو شديدُ الذوبان في الماء على غير المعتاد.

وقد قاست دراسةٌ سنة ٢٠٢٣ الكسرين معًا من مزارع صناعيّةٍ بلغاريّة، فوجدت كحول الفينيل إيثيل يشكّل بين ٢٧ و٧٠ بالمئة من الماء العطريّ، أي ماء التقطير المتبقّي. ٩ فالجزيءُ لا يختفي في التقطير. إنّه ينتقل كلّه تقريبًا إلى الماء الذي كان الزيتُ يطفو عليه، ثمّ يُراق. أمّا مطلقُ الورد، المُستخلَص بالمذيب والذي لا يلقى ماءً قطّ، فيحتفظ به. منتَجان، وزهرةٌ واحدة، والفرقُ في جوهره مسألةُ ما ذاب في ماذا.

الجزيءُ الذي يصل أثرًا

في سنة ١٩٥٩ وصف زايدل وشتول المكوّنات منخفضة الغليان في زيت الورد البلغاريّ وحدّدا أكاسيد الورد. ٤ وبعد أحد عشر عامًا نشر فريقٌ في بيت العطور السويسريّ فيرمينيش، هم ديمول وإنغيست وزوبرلي وشتول وكوفاتش، بنيةَ مركّبٍ استخرجوه من الزيت نفسه وتخليقَه. وسمّوه داماسينون، نسبةً إلى Rosa damascena. ٣

وبيتا-داماسينون هو C₁₃H₁₈O، كيتونٌ متواضعٌ بحلقة سيكلوهكساديين. ٢ وهو موجودٌ في زيت الورد بنحو عُشر الواحد بالمئة، أي في حكم اللاشيء. وهو المركّبُ المفردُ الأكثرُ مسؤوليّةً عن كون الرائحة وردًا لا يُخطئه أحد لا مجرّد رائحةٍ زهريّة.

وسببُ قدرة الأثر على ذلك هو عتبتُه الشمّيّة، أي أصغرُ تركيزٍ يستطيع أنفٌ كشفه. وعتبةُ الداماسينون منخفضةٌ انخفاضًا شهيرًا يكاد يكون سخيفًا. والرقمُ الأكثرُ تداولًا ٠٫٠٠٢ جزءٍ في المليار في الماء، ويعود إلى بَتِري وزملائه سنة ١٩٩٠ في عملٍ على طيّارات الطماطم. ٥ جزءان في التريليون. مسبحٌ وقطّارة.

العتبةُ ليست خاصّيّةً للجزيء

وهنا الجزءُ الذي غيّر قراءتي لكلّ عتبةٍ شمّيّةٍ أراها مقتبَسة، وسببُ تدقيقي في تسمية الوسط.

في سنة ٢٠٠٧ سأل فريقٌ في بوردو عمّا يفعله الداماسينون فعلًا في النبيذ الأحمر. فوجدوا عتبة إدراكه في النبيذ أعلى بأكثر من ألف ضعفٍ منها في نموذجٍ بسيطٍ من الماء والكحول. ٦ الجزيءُ لم يتغيّر. الغرفةُ التي يقف فيها هي التي تغيّرت. فمركّباتٌ أخرى تنازعه المستقبِلات نفسها فتحجبه، والوسطُ يمسكه على نحوٍ مختلف.

فعتبةٌ تُقتبَس بلا وسطها ليست حقيقة، بل شَظيّة. جزءان في التريليون صحيحان عن الداماسينون في الماء. وليسا ثابتًا كونيًّا، وليسا قطعًا الرقمَ الذي ينطبق في زيتٍ ثلثُه شمعٌ أصلًا.

الرقمُ الذي يقتبسه الجميع

وهذا يقودني إلى رقمٍ ستلقاه في كلّ مكان، بما في ذلك أبحاثٌ محكَّمة: أنّ الداماسينون يمثّل نحو سبعين بالمئة من رائحة زيت الورد رغم ذلك التركيز المتلاشي. وهو يَرِد، مُصرَّحًا به، في بحث تخليقٍ سنة ٢٠٢١ في مجلّة Tetrahedron، يضع الداماسينون عند نحو ٠٫١ بالمئة من خلاصة الورد البلغاريّ وينسب إليه سبعين بالمئة من رائحة الزيت. ١٠

وقد ذهبتُ أبحث عن مصدر تلك السبعين بالمئة فلم أجد القياس. فالصيغةُ المتداولة «سبعون بالمئة من النسبة النسبيّة بوحدات الرائحة»، و«وحدات الرائحة» ليست كمّيّةً مُعرَّفةً ما لم تقل بالضبط كيف جمعتَها. ويقود الأثرُ رجوعًا إلى عمل أوهلوف على زيت الورد البلغاريّ، وهو محتمَل، ولم أستطع قراءة المصدر للتأكّد. فلن أطبعه إذن بوصفه حقيقة. إنّه تقريبٌ مُعادٌ اكتسب ثقةَ القياس، وذلك أمرٌ تفعله الأرقام.

والنسخةُ الأمينة أفضلُ على أيّ حال، لأنّ أحدهم أدّى العمل على وجهه. والأداةُ هي «قيمة النشاط الشمّيّ»: اقسِم تركيز المركّب على عتبة كشفه تحصل على رقمٍ يعبّر عن مقدار ما يستطيع تفسيره من الرائحة المُدرَكة، وهو الصيغةُ الصارمة للقول إنّ أثرًا قد يهيمن. ٧ وفي سنة ٢٠١٧ طبّق فريقٌ كروماتوغرافيا الغاز مع أنفٍ بشريٍّ عند المخرج، وتحليل التخفيف لخلاصة الرائحة، وقيم النشاط الشمّيّ على زيت الورد، ثمّ أجروا الاختبار الحاسم: أعادوا بناء الرائحة من المركّبات عالية النشاط وحدها وسألوا الناس إن كانت تشبه رائحة زيت الورد. فكانت كذلك. ٨

وذلك هو الفرق بين دعوى وبرهان. لا نسبةٌ مئويّةٌ يقتبسها الجميع، بل إعادةُ بناءٍ لم يستطع فريقُ تحكيمٍ تمييزها من الأصل.

ما ثمنُ ملء قارورة

قاست الدراسةُ البلغاريّة نفسها سنة ٢٠٢٣ مردود الزيت عبر سبعة أصنافٍ من الورد فوجدته بين ٠٫٠١٥ و٠٫٠٤٨ بالمئة من وزن الزهرة الطازجة. ٩ واقلِبْ ذلك تجد أنّك تحتاج ما بين طنّين وقرابة سبعة أطنانٍ من البتلات لكيلوغرامٍ من الزيت. أمّا الرقمُ الذي ستراه مقتبَسًا، ثلاثة إلى أربعة آلاف كيلوغرامٍ لكلّ كيلوغرام، فيقع مرتاحًا داخل ذلك المدى، وهو سببٌ وجيهٌ لمعاملته قاعدةً تقريبيّةً معقولةً لا قياسًا.

وتُقطَف الزهورُ باليد قبل أن تستوي الشمس، لأنّ الزيت الطيّار يفرّ مع دفء النهار. تلك هي الآليّة، وهي راسخةُ الثبوت، وإن لم أعثر على دراسةٍ تضع رقمًا على سرعة ذلك.

ولا شيء من هذا في ذهنك وأنت تفتح برطمان براعمَ مجفّفة. يصلك الشمعُ والكحولاتُ والجزءان في التريليون دفعةً واحدة، شيئًا واحدًا، وذلك الشيءُ الواحد وردة. ويبدو لي جديرًا بالمعرفة أنّ الزهرة تُنفِق أكثر كيميائها على الأجزاء التي لا تستطيع شمّها، وتراهن بهويّتها كلّها على الجزء الذي يكاد لا يكون هناك.

المصادر

كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.

  1. ١.

    PubChem Compound Summary CID 8842, Citronellol. National Center for Biotechnology Information.

    https://pubchem.ncbi.nlm.nih.gov/compound/8842
  2. ٢.

    PubChem Compound Summary CID 5366074, beta-Damascenone. National Center for Biotechnology Information.

    https://pubchem.ncbi.nlm.nih.gov/compound/5366074
  3. ٣.

    Demole E, Enggist P, Säuberli U, Stoll M, Kováts E. Structure et synthèse de la damascénone, constituant odorant de l'essence de rose bulgare (Rosa damascena Mill.). Helvetica Chimica Acta. 1970;53(3):541-551.

    https://doi.org/10.1002/hlca.19700530310
  4. ٤.

    Seidel CF, Stoll M. Zur Kenntnis des Rosenöls. 1. Mitteilung. Über die tiefsiedenden Bestandteile des bulgarischen Rosenöls. Helvetica Chimica Acta. 1959;42(6):1830-1844.

    https://doi.org/10.1002/hlca.19590420611
  5. ٥.

    Buttery RG, Teranishi R, Ling LC, Turnbaugh JG. Quantitative and Sensory Studies on Tomato Paste Volatiles. Journal of Agricultural and Food Chemistry. 1990;38(1):336-340.

    https://doi.org/10.1021/jf00091a074
  6. ٦.

    Pineau B, Barbe JC, Van Leeuwen C, Dubourdieu D. Which Impact for beta-Damascenone on Red Wines Aroma? Journal of Agricultural and Food Chemistry. 2007;55(10):4103-4108.

    https://doi.org/10.1021/jf070120r
  7. ٧.

    Grosch W. Evaluation of the Key Odorants of Foods by Dilution Experiments, Aroma Models and Omission. Chemical Senses. 2001;26(5):533-545.

    https://doi.org/10.1093/chemse/26.5.533
  8. ٨.

    Xiao Z, Li J, Niu Y, Liu Q, Liu J. Verification of key odorants in rose oil by gas chromatography-olfactometry/aroma extract dilution analysis, odour activity value and aroma recombination. Natural Product Research. 2017;31(19):2294-2302.

    https://doi.org/10.1080/14786419.2017.1303693
  9. ٩.

    Dobreva A, Nedeva D, Mileva M. Comparative Study of the Yield and Chemical Profile of Rose Oils and Hydrosols Obtained by Industrial Plantations of Oil-Bearing Roses in Bulgaria. Resources. 2023;12(7):83.

    https://doi.org/10.3390/resources12070083
  10. ١٠.

    Chaumont-Olive P, Sánchez-Quesada J, Collado Pérez AM, Cossy J. Synthesis of damascenone and derivatives. Tetrahedron. 2021;82:131932.

    https://doi.org/10.1016/j.tet.2021.131932

شارِك هذه الحاشية