تخطَّ إلى المحتوى
MORTAR & KETTLE
APOTHECARY OF FLAVOR
→ كلّ الحواشي
؀١٤الكيمياء

لماذا يبيضّ العَرَق

أضِف الماء إلى العَرَق فيغيم في الحال، بلا تحريك، وبلا شيءٍ أُضيف ليجعله يفعل ذلك. وللظاهرة اسمٌ وبحثٌ من سنة ٢٠٠٣، ومهنةٌ ثانيةٌ في صناعة كبسولات إيصال الدواء.

٣ أغسطس ٢٠٢٦·قراءة ٧ دقائق·٧ مصادر
لماذا يبيضّ العَرَق

اسكب العَرَق في كأسٍ يكن صافيًا. أضِف الماء، ففي الثانية التي يستغرقها الماءُ في السقوط يصير الكأسُ كلّه أبيضَ معتمًا. لا تدريجيًّا، ولا من أعلى إلى أسفل. بل دفعةً واحدة، في كلّ موضعٍ منه، كنَفَسٍ حُبِس.

ويجدر التدقيق في ما لم يحدث، لأنّ أكثر التفسيرات تُخطِئ هنا. لم يُضَف شيء. ولم يُحرَّك شيء. ولا وجود لأيّ مستحلِب، ولا حاجة إليه. ولم يُطلِق أحدٌ شيئًا. المشروبُ أعاد ترتيب نفسه، وفعل ذلك لأنّك غيّرتَ المذيب الذي تحته.

جزيءٌ يأبى أن يبقى ذائبًا

بذرةُ اليانسون ثمرةُ نبتة Pimpinella anisum، وهي حوليّةٌ من الفصيلة الخيميّة، ويهيمن على زيتها مركّبٌ واحدٌ هيمنةً غير معتادة: ترانس-أنيثول، C₁₀H₁₂O. ٤ وبحسب المصدر والموسم يشكّل نحو ثمانين إلى خمسةٍ وتسعين بالمئة من الزيت العطريّ. فحين تتذوّق اليانسون فأنت تتذوّق جزيئًا واحدًا في جوهر الأمر.

ولهذا الجزيء خاصّيّةٌ واحدةٌ تهمّ هنا أكثر من كلّ ما عداها. فهو يذوب بسهولةٍ في الإيثانول ويذوب بصعوبةٍ بالغةٍ في الماء. وفي قنّينة عَرَقٍ بقوّتها الكاملة يؤدّي الكحولُ عملَ إبقاء كميّةٍ كبيرةٍ من الأنيثول ذائبة، وينجح في ذلك بيُسر.

ثمّ أضِف الماء. أنت لم تمسّ الأنيثول، لكنّك خفّفتَ الشيء الوحيد الذي كان يُبقيه ذائبًا. فتهبط جودةُ المذيب دون ما يحتاجه الأنيثول، ويجد الخليطُ نفسه حاملًا من المركّب أكثرَ ممّا يستطيع حمله. وما يحدث بعد ذلك يُسمّى التنوّي المتجانس: يخرج الأنيثول من المحلول في كلّ مكانٍ دفعةً واحدة، تلقائيًّا، مكوّنًا عددًا هائلًا من القُطيرات الدقيقة في أنحاء السائل بدل أن ينفصل في طبقة. وتلك القُطيراتُ تُشتّت الضوء، والضوءُ المُشتَّت أبيض. تلك هي الغيمة.

له اسمٌ وبحث

في سنة ٢٠٠٣ نشر ستيفن فيتالي وجوزيف كاتز دراسةً في مجلّة Langmuir عن هذا الصنف من المُشتّتات بالضبط، وأعطياه الاسم الذي يحمله اليوم في أدبيّات الكيمياء الفيزيائيّة. وعنوانُ البحث يتضمّن عبارة «أثر الأوزو». ١ وثمّة شيءٌ مُرضٍ جدًّا في أن تتبنّى مجلّةٌ محكَّمةٌ رسميًّا اسمَ مشروبٍ لأنّ ذلك المشروب كان أوضحَ برهانٍ متاحٍ على الظاهرة.

وبعد عامين تناول فريقٌ في أمستردام منظومة الأنيثول مباشرةً، وحدّد كيف يسلك المستحلَبُ الناتج. ونتيجتُهم هي الطريفة. فالقُطيرات لا تتلاحم، وهو ما يفعله المستحلَبُ غير المستقرّ العاديّ وهو ينهار. بل تنمو بنضج أوستفالد، أي إنّ القُطيرات الأكبر تكسب مادّةً على حساب الأصغر ببطء، ثمّ تتوقّف. ونصفُ قطر التشبّع المُبلَّغ عنه نحو ١٫٥ ميكرومتر، وما إن تبلغه القُطيرات حتى يظلّ المستحلَبُ الغائم غائمًا شهورًا. ٢

فالبياضُ إذن ليس مرحلةً عابرةً في طريقه إلى الانفصال. إنّه حالةٌ مستقرّة، بُلِغت بلا قطرةِ مستحلِبٍ واحدة، من سائلٍ دُفِع ببساطةٍ إلى ما وراء ما يستطيع حمله.

من الكأس إلى المختبر

وهنا تصير حيلةُ المائدة نافعةً حقًّا. فصناعةُ قُطيراتٍ بالغة الصغر تحتاج عادةً قوّةً غاشمة: مسابرَ فوق صوتيّة، وخلّاطاتِ قصٍّ عالية، وآلاتٍ تضخّ الطاقة حتى تتكسّر القُطيراتُ الكبيرة إلى صغيرة. أمّا الاستحلابُ التلقائيّ فيؤدّي العمل نفسه مجّانًا، لأنّ القُطيرات لم يلزم تكسيرُها أصلًا. لقد تكثّفت بذلك الحجم.

وقد عرض فرانسوا غاناشو وجوزيف كاتز هذا سنة ٢٠٠٥ في بحثٍ عنوانه الفرعيّ هو الحجّةُ كلّها: الاستحلابُ التلقائيّ بديلًا عن الأجهزة فوق الصوتيّة وأجهزة القصّ العالي. ٣ أذِبْ بوليمرًا في مذيبٍ يمتزج بالماء، ثمّ أضِف الماء، فتحصل بدل قُطيرات الأنيثول على جسيماتٍ وكبسولاتٍ نانويّةٍ من البوليمر، من النوع المستعمَل في حمل الأدوية. وقد صارت التقنيةُ معتادةً بما يكفي لأن يشير صانعو الجسيمات النانويّة الصيدلانيّة إلى «منطقة الأوزو» في مخطّط الأطوار دون أيّ شعورٍ بأنّهم يقتبسون من حانة.

ثلاثةُ نباتات، وجزيءٌ واحد

والأمرُ الآخر الجدير بالمعرفة عن الأنيثول هو كم من النباتات غير المتقاربة وصلت إليه. فاليانسون والشمر كلاهما من الفصيلة الخيميّة، عائلة الجزر والبقدونس، فاشتراكهما في النكهة غير لافت. أمّا اليانسون النجميّ فلا. إذ يقع Illicium verum في الفصيلة Schisandraceae، وهي سلالةٌ مختلفةٌ تمامًا، وينتج ترانس-أنيثول مكوّنًا مهيمنًا على زيته، بين اثنين وسبعين واثنين وتسعين بالمئة عادةً. ٥

فرعان من مملكة النبات، يفصل بينهما مدًى تطوّريٌّ هائل، التقيا عند المركّب العطريّ نفسه. ثمّ ذاقهما البشرُ فصنّفوهما تحت النكهة نفسها وأعطوهما الاسم نفسه تقريبًا. فقد بُنيت خانتُنا على الكيمياء لا على النبات، وفي هذه الحالة كانت الكيمياءُ مُصيبةً مرّتين.

وما نفعه فعلًا، ولمن

اليانسون بذرةُ ما بعد العشاء منذ زمنٍ طويل جدًّا، وللوكالة الأوروبيّة للأدوية دراسةٌ تعريفيّةٌ عنه. والاستعمالاتُ التقليديّة المعترَف بها هي ما تتوقّعه: الشكاوى الهضميّة التشنّجيّة الخفيفة كالانتفاخ والغازات، ومُقشِّعًا في السعال المصاحب للزكام. والجرعةُ المذكورة من غرامٍ إلى ثلاثة غراماتٍ ونصف من البذر الكامل أو المسحوق طازجًا في ١٥٠ ملّيلترًا من الماء المغليّ، ثلاث مرّاتٍ يوميًّا، ولمدّةٍ لا تتجاوز أسبوعين. ٦

وتحمل الدراسةُ نفسها التحذيرَ الذي يهمّ. فثمرةُ اليانسون تحتوي الإستراغول مكوّنًا ثانويًّا، وبيانُ الوكالة المنفصل عن الإستراغول صريحٌ في وصفه: مادّةٌ مسرطنةٌ سامّةٌ للجينات، استنادًا إلى دراسات القوارض، مع تحديد مدًى جرعيٍّ من ١ إلى ١٠ ملّيغرامات لكلّ كيلوغرامٍ من وزن الجسم بوصفه المدى المعنيّ بتوصيف الخطر. ٧ وذلك المدى يقع فوق ما يوصله الاستعمالُ الطبيعيّ لمنتَجٍ عشبيٍّ بنحو مئةٍ إلى ألف ضعف، وهذا هو الجزءُ الجدير بالتمسّك به. فهذا سببٌ لتجنّب شرب الزيت العطريّ المركَّز، لا سببٌ للخوف من فنجان شاي.

وتبلغ الدراسةُ هذه الخلاصة في جملةٍ واحدة، إذ تقول إنّ الخطر السامّ للجينات من الإستراغول لا يُعَدّ ذا صلةٍ في ظروف الاستعمال المحدّدة، أي الاستعمال قصير الأمد لدى المراهقين والبالغين وكبار السنّ، بسبب ضآلة الكميّة الموجودة في نقيعٍ محضَّرٍ من اليانسون. ٦

لكن اقرأ القيود، فهي التي تحمل النصيحة الحقيقيّة. تنصّ الدراسةُ صراحةً على أنّ الاستعمال لدى الأطفال دون الثانية عشرة غيرُ موصًى به، وأنّه في غياب بياناتٍ كافيةٍ لا يُوصى به في الحمل ولا أثناء الإرضاع. ٦ وهذا جديرٌ بأن يُقال بصوتٍ عالٍ في منطقةٍ يكون فيها ماءُ اليانسون علاجًا تقليديًّا يُعطى للرُّضَّع أصحاب المغص. فالجهةُ المنظِّمة لم تُقيّمه آمنًا لتلك الفئة العمريّة. إنّها ببساطةٍ لم تُدخِلهم في نطاقه.

ولا شيء من هذا هو السبب الذي يمدّ أحدًا إليه يده. أنت تمدّ يدك إليه لأنّ بضع بذورٍ مهروسةٍ في ماءٍ حارٍّ طعمُها كنهاية وجبةٍ طويلة، ولأنّ كأس عَرَقٍ يبيضّ أمامك واحدةٌ من اللحظات القليلة التي تستطيع فيها أن ترى الفيزياء تحدث على المائدة. لم يُضَف شيء. إنّه فقط لم يستطع أن يبقى ذائبًا.

المصادر

كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.

  1. ١.

    Vitale SA, Katz JL. Liquid Droplet Dispersions Formed by Homogeneous Liquid-Liquid Nucleation: The Ouzo Effect. Langmuir. 2003;19(10):4105-4110.

    https://doi.org/10.1021/la026842o
  2. ٢.

    Sitnikova NL, Sprik R, Wegdam G, Eiser E. Spontaneously Formed trans-Anethol/Water/Alcohol Emulsions: Mechanism of Formation and Stability. Langmuir. 2005;21(16):7083-7089.

    https://doi.org/10.1021/la046816l
  3. ٣.

    Ganachaud F, Katz JL. Nanoparticles and Nanocapsules Created Using the Ouzo Effect: Spontaneous Emulsification as an Alternative to Ultrasonic and High-Shear Devices. ChemPhysChem. 2005;6(2):209-216.

    https://doi.org/10.1002/cphc.200400527
  4. ٤.

    PubChem Compound Summary CID 637563, trans-Anethole. National Center for Biotechnology Information.

    https://pubchem.ncbi.nlm.nih.gov/compound/637563
  5. ٥.

    Sharafan M, Jafernik K, Ekiert H, et al. Illicium verum (Star Anise) and Trans-Anethole as Valuable Raw Materials for Medicinal and Cosmetic Applications. Molecules. 2022;27(3):650.

    https://doi.org/10.3390/molecules27030650
  6. ٦.

    European Medicines Agency, Committee on Herbal Medicinal Products. Community herbal monograph on Pimpinella anisum L., fructus. EMA/HMPC/321184/2012, final, 12 November 2013.

    https://www.ema.europa.eu/en/documents/herbal-monograph/final-community-herbal-monograph-pimpinella-anisum-l-fructus_en.pdf
  7. ٧.

    European Medicines Agency, Committee on Herbal Medicinal Products. Public Statement on the Use of Herbal Medicinal Products Containing Estragole. EMEA/HMPC/137212/2005.

    https://www.ema.europa.eu/en/documents/scientific-guideline/public-statement-use-herbal-medicinal-products-containing-estragole_en.pdf

شارِك هذه الحاشية