لعِرق السوس سقف
لا يكاد شيءٌ في درج البهارات يأتي بحدٍّ يوميّ. أمّا عِرق السوس فله حدّ: مئةُ ملّيغرام، تشمل كلَّ ما تأكله في اليوم، ولترٌ واحدٌ من بعض أنواع شاي السوس قد يحمل أربعة أضعافها.

لا يكاد شيءٌ في المطبخ يأتي بحدٍّ للجرعة. تستطيع أن تضع من الكمّون في المقلاة ما تحتمله، وغايةُ ما يحدث أن يصير طعمه كمّونًا. أمّا عِرق السوس فهو الاستثناء النادر في خزانة الشاي: نبتةٌ وضع لها المنظّمون رقمًا فعلًا، والرقمُ أصغرُ ممّا يظنّه أيُّ شاربٍ لها تقريبًا.
وليست هذه مقالةَ تخويف. فعِرق السوس شيءٌ نافعٌ حقًّا في الخلطات، ولذلك يظهر في ثلاثةٍ من أنواع الشاي في هذا الموقع: فهو حلوٌ بلا سكّر، ويُدوِّر المرارة، ويمنح النقيعَ الرقيق قوامًا. لكنّ موقعًا يضع عِرق السوس في وصفاته ثمّ يسكت عن السقف ليس صريحًا معك.
الاسمُ وصفٌ كيميائيّ
نبتة Glycyrrhiza glabra بقوليّة، قريبةُ البازلاء والفاصولياء، واسمها اليونانيّ هو ببساطة طعمها: glykys أي حلو، وrhiza أي جذر. فصارت glykyrrhiza، ثمّ اللاتينيّة liquiritia، ثمّ الفرنسيّة القديمة licorece، وأخيرًا licorice. وأفرد لها ديوسقوريدس مدخلًا كاملًا في القرن الأوّل، وذكر أنّها تنبت في كبادوكيا وبنطس. ٣ وقد نجت الكلمةُ من نحو ألفين وخمسمئة عامٍ من التناقل سليمة، وهو ما يحدث عادةً لنباتاتٍ لا يكفّ الناس عن طلبها.
الجزيءُ ليس سكّرًا
الحلاوةُ تأتي من الغليسيريزين، ويُسمّى أيضًا حمض الغليسيريزيك، وهو لا يشبه السكروز في شيء. صيغته C₄₂H₆₂O₁₆ ووزنه ٨٢٢٫٩٤، أي نحو ضعفين ونصف جزيءَ سكّر المائدة. ٢ ١ وهو بنيويًّا صابونينٌ ثلاثيُّ التربين: هيكلٌ خماسيُّ الحلقات شبيهٌ بالستيرويد يُسمّى حمض الغليسيريتينيك، معلَّقٌ به سكّران من حمض الغلوكورونيك. وتضع الوثيقةُ التقنيّة للمفوّضيّة الأوروبيّة حلاوته بين ٣٣ و٢٠٠ ضعف السكروز بحسب طريقة القياس. ١ وهذا المدى الهائل نفسه مُفيد. فحلاوةُ عِرق السوس تصل متأخّرةً وتنصرف على مهل، فهي لا تستقرّ على المقياس نفسه الذي يُقاس به السكّر.
والأهمُّ ما يجري بعد أن تبتلعه. فالغليسيريزين بالكاد يُمتَصّ كما هو. تنزع بكتيريا الأمعاء السكّرين عنه، فيبقى حمضُ الغليسيريتينيك، وهذا يُمتَصّ امتصاصًا شبه كامل، ثمّ يُعاد تدويره عبر الكبد إلى الأمعاء، ما يُبقيه دائرًا أطول ممّا تتوقّع. ١ فالمركّبُ الذي يعمل في جسدك ليس تمامًا المركّب الذي في الجذر.
حالةُ خطأٍ في الهويّة
وهذه هي الآليّة، وهي من أبدع ما في عالم الطعام من صيدلةٍ غير مقصودة.
في كِلْيتك مستقبِلاتٌ للألدوستيرون، وهو الهرمون الذي يأمرها بالاحتفاظ بالصوديوم وطرح البوتاسيوم. والحقيقةُ المُحرِجة أنّ الكورتيزول، هرمون التوتّر لديك، يرتبط بالمستقبِل نفسه بالقوّة نفسها، وجسدك يحمل من الكورتيزول أضعافَ ما يحمل من الألدوستيرون. فلو لم يتدخّل شيء لأغرق الكورتيزولُ الإشارةَ إغراقًا.
لكنّ شيئًا يتدخّل. إنزيمٌ اسمه ١١-بيتا-هيدروكسي ستيرويد ديهيدروجيناز من النوع الثاني يجلس في تلك الأنسجة ويحوّل الكورتيزول إلى كورتيزون خامل قبل أن يبلغ المستقبِل. إنّه حارسُ باب، ومهمّته كلّها أن يُدخِل الألدوستيرون ويردّ الكورتيزول. وقد قالها جيم فَندر وزملاؤه صراحةً سنة ١٩٨٨: إنّ نوعيّة المستقبِل يحدّدها الإنزيم لا المستقبِل. ٥
وحمضُ الغليسيريتينيك يثبّط ذلك الإنزيم. وقد توصّل باتريك ستيوارت وكريستوفر إدواردز وزملاؤهما إلى ذلك ونشروه سنة ١٩٨٧، والعنوانُ يقولها: إنّ عِرق السوس يُحدِث أثرًا شبيهًا بالقشرانيّات المعدنيّة بإحداثه عوزًا في ذلك الإنزيم. ٤ فإذا عُطِّل الحارس، دخل الكورتيزولُ منتحلًا صفة الألدوستيرون. فتحتبس الصوديوم والماء، وتفقد البوتاسيوم، ويرتفع ضغطُ دمك، ويهبط ألدوستيرونك ورينينك لأنّ الجسد يحسب أنّ لديه ما يكفي.
والاسمُ السريريّ لهذا هو فرطُ القشرانيّات المعدنيّة الظاهريّ، وكلمةُ «الظاهريّ» تؤدّي عملًا دقيقًا. فلا خلل في الهرمون. الخللُ في البوّاب.
كيف يبدو ذلك في إنسان
انخفاضُ البوتاسيوم أوّلُ ما يظهر، وهو الخطر، لأنّ البوتاسيوم هو ما يُبقي كهرباء القلب منتظمة. والعواقبُ المنشورة تمتدّ من ضعف العضلات وارتفاع الضغط إلى انحلال العضلات الهيكليّة واضطراب النظم والفشل الكلويّ. ١
ونشرت مجلّة نيو إنغلاند الطبّيّة حالةً سنة ٢٠٢٠ تستحقّ أن تُعرَف لأنّها عاديّةٌ إلى هذا الحدّ. رجلٌ في الرابعة والخمسين من ماساتشوستس انتقل من الحلوى بنكهة الفاكهة إلى عِرق السوس الأسود، فأكل كيسًا كبيرًا أو كيسين يوميًّا نحو ثلاثة أسابيع، ثمّ سقط بسكتةٍ قلبيّةٍ في مطعم وجباتٍ سريعة. ولم ينجُ. ٦ لا مكمّل في القصّة ولا خلاصةٌ غريبة. لقد أكل حلوى.
وذلك هو الطرف الأقصى، وينبغي أن يُقرأ كذلك. أمّا التقارير الأكثر تمثيلًا فأخفُّ وأنفع: امرأةٌ في الرابعة والسبعين أُدخِلت المستشفى وبوتاسيومها ٢٫٤ ملّيمول في اللتر، مقابل حدٍّ أدنى طبيعيٍّ قريبٍ من ٣٫٥، بعد عِرق سوسٍ فوق دواءٍ يدفع في الاتّجاه نفسه. ٧ وتصف تقاريرُ حالاتٍ أوروبيّةٌ رجالًا في الأربعينيّات وصلوا بضغطٍ انقباضيٍّ فوق ٢٠٠ من نحو خمسين غرامًا من حلوى عِرق السوس يوميًّا، وهي كميّةٌ كانوا سيصفونها بميلٍ إلى الحلويّات لا بجرعةٍ زائدة. ١
الرقم، ولماذا يعني شاربَ الشاي تحديدًا
نظرت اللجنةُ العلميّة للأغذية في المفوّضيّة الأوروبيّة في هذا سنة ١٩٩١، ثمّ نظرت ثانيةً سنة ٢٠٠٣ ومعها عقدٌ من البيانات البشريّة الإضافيّة، فانتهت إلى الرقم نفسه الذي بدأت منه. ولم تستطع أصلًا اشتقاق مأخوذٍ يوميٍّ مقبولٍ بالمعنى الدقيق، لأنّ الدراسات البشريّة كانت أصغرَ وأقصرَ من أن تسنده. فقدّمت بدلًا من ذلك سقفًا. ١
«هذا الحدُّ الأعلى للتناول المنتظم البالغ ١٠٠ ملّيغرام يوميًّا يوفّر مستوى حمايةٍ كافيًا لغالبيّة السكّان.»
وأمران في هذه الجملة يستحقّان الانتباه. الأوّل كلمةُ «غالبيّة»، وهي إقرارٌ بأنّ بعض الناس لن يحميهم هذا الحدّ. والثاني أنّ الحدّ يشمل صراحةً حمض الغليسيريزيك من كلّ المصادر مجتمعةً لا لكلّ منتَجٍ على حدة. فالحلوى والشاي والمشروبات المُنكَّهة تسحب كلُّها من المخصّص اليوميّ نفسه. ١
وهنا الرقمُ الذي دفعني إلى كتابة هذا. في الوثيقة نفسها، قاس مسحٌ هولنديٌّ لثلاثةٍ وثلاثين علامةً من الشاي العشبيّ حمضَ الغليسيريزيك في المشروب المُحضَّر. وكان أكثرها متواضعًا. وتجاوزت أربعٌ منها مئة ملّيغرام في اللتر، وبلغ أعلاها ٤٥٠. ١ واللترُ ليس كميّةً غريبةً على من يحبّ الشاي. فإبريقٌ واحدٌ من أقوى العلامات المُختبَرة يحمل أربعة أضعافٍ ونصفًا من السقف اليوميّ، وحده، قبل أيّ حلوى.
وهذه هي الفائدةُ العمليّة من الحاشية كلّها. عِرق السوس في فنجانٍ لا بأس به. أمّا عِرق السوس مشروبَك الأساسيّ طوال اليوم، مركَّزًا، أسابيع، فمسألةٌ أخرى، والفرقُ بينهما لا يُرى ولا يُذاق. ولا شيء ينبّهك.
ومَن ينبغي أن يكون أشدَّ حذرًا
تسمّي اللجنةُ الفئاتِ التي هامشُها أضيق: أصحابُ ارتفاع ضغط الدم، وكلُّ من به حالةٌ تمسّ توازن الأملاح أو الماء، ومن يبطؤ عندهم عبورُ الأمعاء (وهو ما يطيل بقاء المركّب)، ومن تكون نسختهم من ذلك الإنزيم أقلَّ نشاطًا بالفطرة. ١ وأضِف إليهم كلَّ من يتناول مدرّات البول أو الكورتيكوستيرويدات، فهي تدفع البوتاسيوم في الاتّجاه نفسه.
والحملُ يستحقّ سطرًا خاصًّا، لأنّ الإنزيم نفسه يؤدّي عملًا ثانيًا هناك: ففي المشيمة يحمي الجنين من كورتيزول أمّه الأعلى بكثير. وقد تابع بحثٌ فنلنديٌّ أطفالًا تناولت أمّهاتُهم كميّاتٍ كبيرةً من عِرق السوس أثناء الحمل، وأبلغ عن فروقٍ في توقيت البلوغ ودرجات الاختبارات المعرفيّة والأعراض النفسيّة بعد سنوات. ٨ ودراساتُ الأتراب تُظهِر ارتباطًا لا سببيّة، وهذا خطُّ عملٍ لفريقٍ بحثيٍّ واحدٍ لا أدبيّاتٌ مستقرّة، فخذه بتحفّظ. غير أنّ الآليّة معقولةٌ ومحدّدة، وهو أكثرُ ممّا تملكه أغلبُ مخاوف الغذاء.
وعلى الجهة الأخرى من الميزان، فالخلاصةُ الأمينة عن عِرق السوس دواءً هزيلة. ويقولها المركزُ الوطنيّ الأمريكيّ للصحّة التكامليّة بأوضح ما تستطيع جهةٌ رسميّة: ليست الأدلّةُ عالية الجودة كافيةً لدعم استعمال جذر السوس في أيّ حالةٍ صحّيّة دعمًا واضحًا. ٩ أمّا التجاربُ القديمة على عِرق السوس منزوع الغليسيريزين لعلاج القرحة، أي النسخة التي نُزِع منها الجزيءُ المُشكِل، فأكثرها من سبعينيّات القرن الماضي ونتائجها متباينة.
وأمرٌ أخيرٌ لعلّك تفهمه معكوسًا
أكثرُ حلوى عِرق السوس السوداء المُباعة في الولايات المتّحدة لا تحتوي عِرق سوسٍ أصلًا. فالنكهةُ تأتي من زيت اليانسون، ومركّبُه الفعّال الأنيثول، من نبتةٍ في الفصيلة الخيميّة لا صلة لها بـGlycyrrhiza البتّة. وهو الجزيءُ نفسه الذي يمنح اليانسون النجميّ والشمر طعمهما. فكثيرٌ جدًّا ممّن يجزمون بكراهية عِرق السوس لم يلتقوه قطّ، وكثيرٌ جدًّا ممّن يأكلونه باستمرار يأكلون نبتةً أخرى تمامًا. والفيصلُ قائمةُ المكوّنات: خلاصةُ عِرق السوس عِرقُ سوس، وزيتُ اليانسون ليس كذلك.
ويبقى بعد ذلك ما يُنصَح به فعلًا، وهو غيرُ برّاق. أبقِ عِرق السوس مكوّنًا لا أساسًا. ونوِّع شايك. وإن كنتِ حاملًا، أو كنتَ على دواءٍ لضغط الدم، أو كنتَ تشرب الخلطة نفسها المركَّزة من عِرق السوس كلَّ يومٍ شهورًا، فتلك هي الحالُ الجديرةُ بأن تُذكَر لطبيب، لا لأنّ الجذر خطر، بل لأنّه فعّالٌ دوائيًّا، وهذا أمرٌ مختلفٌ وأطرف. إنّه واحدٌ من أشياءَ قليلةٍ جدًّا في الخزانة تفعل شيئًا حقًّا، وثمنُ ذلك رقم.
المصادر
كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.
- ١.
European Commission, Scientific Committee on Food. Opinion of the Scientific Committee on Food on Glycyrrhizinic Acid and its Ammonium Salt. SCF/CS/ADD/EDUL/225 Final, adopted 10 April 2003.
https://ec.europa.eu/food/fs/sc/scf/out186_en.pdf - ٢.
PubChem Compound Summary CID 14982, Glycyrrhizin (glycyrrhizic acid). National Center for Biotechnology Information.
https://pubchem.ncbi.nlm.nih.gov/compound/14982 - ٣.
Fiore C, Eisenhut M, Ragazzi E, Zanchin G, Armanini D. A history of the therapeutic use of liquorice in Europe. Journal of Ethnopharmacology. 2005;99(3):317-324.
https://doi.org/10.1016/j.jep.2005.04.015 - ٤.
Stewart PM, Wallace AM, Valentino R, Burt D, Shackleton CHL, Edwards CRW. Mineralocorticoid activity of liquorice: 11-beta-hydroxysteroid dehydrogenase deficiency comes of age. The Lancet. 1987;330(8563):821-824. PMID 2889032.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/2889032/ - ٥.
Funder JW, Pearce PT, Smith R, Smith AI. Mineralocorticoid action: target tissue specificity is enzyme, not receptor, mediated. Science. 1988;242(4878):583-585. PMID 2845584.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/2845584/ - ٦.
Edelman ER, Butala NM, Avery LL, Lundquist AL, Dighe AS. Case 30-2020: A 54-Year-Old Man with Sudden Cardiac Arrest. New England Journal of Medicine. 2020;383(13):1263-1275.
https://doi.org/10.1056/NEJMcpc2002420 - ٧.
Benge E, Shah P, Yamaguchi L, Josef V. Trick or Treat? Licorice-Induced Hypokalemia: A Case Report. Cureus. 2020;12(11):e11656.
https://doi.org/10.7759/cureus.11656 - ٨.
Räikkönen K, Martikainen S, Pesonen AK, et al. Maternal Licorice Consumption During Pregnancy and Pubertal, Cognitive, and Psychiatric Outcomes in Children. American Journal of Epidemiology. 2017;185(5):317-328.
https://doi.org/10.1093/aje/kww172 - ٩.
National Center for Complementary and Integrative Health (US National Institutes of Health). Licorice Root: Usefulness and Safety.
https://www.nccih.nih.gov/health/licorice-root