تخطَّ إلى المحتوى
MORTAR & KETTLE
APOTHECARY OF FLAVOR
→ كلّ الحواشي
؀١١الكيمياء

الجزيءُ الذي لا يكفّ عن خداع الأجهزة

للكركمين أكثرُ من مئة تجربةٍ سريريّةٍ وراءه، ولا دواءَ مُعتمَدٌ أمامه. وقد صار الكيميائيّون يُدرِّسونه بوصفه المثال المدرسيّ على مركّبٍ يكذب على أجهزة المختبر.

١ أغسطس ٢٠٢٦·قراءة ٨ دقائق·١٢ مصادر
الجزيءُ الذي لا يكفّ عن خداع الأجهزة

الكركمُ أوثقُ الألوان ثقةً بنفسه في درج البهارات. فما من شيءٍ آخر يصبغ ملعقةً خشبيّةً هذا الصبغ الدائم، أو يُحيل قِدر أرزٍّ إلى ذلك الذهب المُشبَع بعينه. وهو كذلك، في هذه اللحظة، أكثرُ مكوّنٍ مبالَغٌ في بيعه في العالم، والمسافةُ بين ما يفعله البرطمان في المقلاة وما يزعم رفُّ المكمّلات أنّه يفعله في الجسد واحدةٌ من أطرف حكايات كيمياء الطعام الحديثة.

والنبتةُ نفسها غرابةٌ هادئة. فـCurcuma longa عقيمةٌ عمليًّا في الزراعة، ثلاثيّةُ المجموعة الصبغيّة تحمل عددًا كروموسوميًّا أخرقَ يجعل البذر الموثوق شبه مستحيل، فكلُّ محصولٍ يُكاثَر بتقسيم الجذامير وإعادة غرسها. ٣ فالكركمُ في مطبخك ليس سليلَ نبتةٍ زرعها أحد. إنّه قطعةٌ منها.

بصمةٌ مؤرَّخة، لا رقمٌ مستدير

ستقرأ في كلّ مكانٍ أنّ الكركم استُعمِل خمسة آلاف عام. وهذا رقمٌ لا مصدر له يُتتبَّع، وذلك مؤسف، لأنّ الدليل الحقيقيّ أفضلُ وأدقُّ من الشعار.

فقد انتشل علماءُ آثارٍ يعملون في فرمانة بولاية هاريانا حبيباتِ نشًا من بقايا داخل قِدر طهيٍ حرابّيّ، وميّزوا فيها الكركم إلى جانب الزنجبيل والباذنجان، في طبقةٍ مؤرَّخةٍ بين ٢٦٠٠ و٢٢٠٠ قبل الميلاد. ١ وليس ذلك ذاكرةً شعبيّة. إنّه عشاءُ أحدهم، ما زال في القِدر، مُميَّزًا حبّةً حبّةً تحت المجهر.

والقطعةُ الثانية أغربُ، وأقربُ إلى هذا الموقع. فباحثون حلّلوا القَلَح السنّيّ، أي الترسّبات المتصلّبة على الأسنان، من مدافنَ من العصر البرونزيّ في مجدّو وتل عراني في جنوب بلاد الشام، فوجدوا آثارًا جزيئيّةً للكركم والموز وفول الصويا. ٢ كان أهلُ شرق المتوسّط يأكلون طعامًا من جنوب آسيا في الألف الثاني قبل الميلاد. وطريقُ البهارات يُروى عادةً بوصفه حكايةً رومانيّة. وقد كان قديمًا قبل ذلك، والدليلُ كان راقدًا في أسنان من مشوه.

بضعةُ في المئة منه فقط

الأصفرُ يأتي من الكركمينويدات، وأهمُّها الكركمين، C₂₁H₂₀O₆. ٤ وهو يسافر مع شقيقين قريبين، ديميثوكسي كركمين وبيسديميثوكسي كركمين، وهما الهيكل الجزيئيّ نفسه منزوعًا منه مجموعةُ ميثوكسي واحدة أو اثنتان.

وهنا الرقمُ الذي يعيد تأطير كلّ ما بعده. فالكركمين لا يتجاوز نحو خمسة بالمئة من وزن الكركم المجفّف، وحين أجرى الباحثون التحليل فعلًا على منتجات التجزئة جاء متوسّطُ مسحوق الكركم النقيّ نحو ٣٫١ بالمئة. ٧ ٥ فالبهارُ في أغلبه ليس الجزيءَ الذي يتحمّس له الناس. وملعقةٌ صغيرة من الكركم نحو غرامين ونصف من المسحوق تحمل قرابة ثمانين ملّيغرامًا من المركّب، ولن يبلغ مجراك الدمويّ إلّا كسرٌ صغيرٌ من ذلك.

ويمكنك أن ترى الكيمياء تعمل بلا مختبر. اغمس شريطَ ورقٍ في الكركم وجفّفه، ثمّ المسه بصابونٍ أو نشادر ينقلب الأصفرُ كصفار البيض إلى أحمر. وورقةُ الكركم كاشفٌ حمضيٌّ قاعديٌّ معتادٌ في الصفوف منذ عقود. ٦ وانزياحُ اللون آتٍ من نظام الاقتران الممتدّ نفسه الذي يجعل الكركمين أصفر ابتداءً، وهو يعيد ترتيب نفسه إذ يفقد بروتونًا. إنّه كاشفٌ جيّدٌ حقًّا وجزيءٌ جميلٌ حقًّا. وليس أيٌّ من هاتين الحقيقتين ادّعاءً طبّيًّا.

المركّبُ الذي يكذب على الأجهزة

في سنة ٢٠١٧ نشرت مجموعةٌ من كيميائيّي الأدوية بحثًا في مجلّة كيمياء الأدوية صار واحدًا من أكثر نصوص الشكّ الكيميائيّ استشهادًا في العقد الأخير. وحجّتُه ليست أنّ الكركمين عديمُ الفائدة. بل أنّ الكركمين مركّبٌ مصمَّمٌ على نحوٍ فريدٍ لإنتاج نتائج إيجابيّةٍ كاذبة في المقايسات التي يستعملها العلماء ليقرّروا إن كان مركّبٌ ما مفيدًا. ٧

فالكركمين مصنَّفٌ مركّبَ PAINS، أي مركّبًا يتداخل مع المقايسات على اتّساعها، ومصنَّفٌ كذلك IMPS، أي دواءً شافيًا لكلّ داءٍ باطلًا. وهذه التصنيفات موجودةٌ لأنّ بعض الجزيئات تُشغِّل قراءات المختبر بآليّاتٍ لا صلة لها بالحياة التي يُراد قياسها. فالكركمين يُفلوِر، فيُسجَّل إشارةً في مقايسات التألّق. وهو يخلب الفلزّات، ويدور أكسدةً واختزالًا، ويُخلّ بالأغشية، ويتكتّل في المحلول. وأيٌّ من هذه كفيلٌ بإضاءة الفحص. ضَعْ جزيئًا مُتساهلًا كهذا في آلاف المقايسات عبر آلاف المختبرات، فسيبدو أنّه يفعل كلّ شيءٍ تقريبًا، لأنّ الأجهزة هي التي تستجيب، لا الخلايا.

«لم تنجح أيُّ تجربةٍ سريريّةٍ للكركمين مزدوجةِ التعمية ومضبوطةٍ بدواءٍ وهميّ.»
نيلسون وزملاؤه، مجلّة كيمياء الأدوية، ٢٠١٧

وهذه الجملةُ تحمل الكثير، فاقرأها بدقّة. إنّها لا تقول إنّ الكركمين لا يفعل شيئًا. تقول إنّه بعد أكثر من مئةٍ وعشرين تجربةً سريريّةً مسجَّلة، لم يُنتِج التصميمُ الوحيد القادر فعلًا على إثبات أثرٍ دوائيّ نجاحًا واحدًا. ٧ وخلاصةُ البحث الصريحة أنّ الكركمين غيرُ مستقرّ، وشديدُ التفاعل، وغيرُ متوافرٍ حيويًّا، ما يجعله مرشَّحًا دوائيًّا بعيدَ الاحتمال. وهذا قولٌ غير مألوفٍ أن يكتبه كيميائيّون مطبوعًا عن مركّبٍ طارده حقلُهم عقودًا.

وعدمُ الاستقرار ليس تفصيلًا تقنيًّا كذلك. فالكركمين يتحلّل سريعًا في الأوساط المتعادلة والقلويّة، وهذا وصفُ أمعائك الدقيقة. فما ينجو من الطهي، ثمّ من المعدة، عليه أن ينجو من ذلك بعد.

حيلةُ الفلفل، بحجمها الحقيقيّ

من هنا تأتي نصيحةُ الفلفل الأسود، وهي تستحقّ جردًا أمينًا لأنّها أكثرُ قطعةٍ من علم المطبخ تكرارًا على الإنترنت. فقد أعطت دراسةٌ سنة ١٩٩٨ الكركمين مع عشرين ملّيغرامًا من البيبيرين، قلويد الفلفل الأسود الحادّ، ودونه، وأبلغت عن زيادةٍ قدرها ١٥٤ بالمئة في التوافر الحيويّ عند الجرذان، ونحو عشرين ضعفًا عند متطوّعين من البشر. ٨

والنتيجةُ حقيقيّة والآليّةُ معقولة. أمّا الذي يضيع فهو المقياس: إنّها دراسةٌ واحدةٌ صغيرة، عمرها قرابة ثلاثين عامًا، وإحدى المؤسّسات المشاركة في تأليفها تصنّع خلاصةَ بيبيرين تجاريّةً تُباع لهذا الغرض بعينه. وزيادةٌ بعشرين ضعفًا انطلاقًا من نقطةٍ تكاد تكون لا شيء تبقى قليلة. وطحنُ الفلفل في كركمك طبخٌ جيّدٌ على أيّ حال. لكنّه ليس منظومةَ إيصالٍ دوائيّ.

ما الذي تسنده التجارب فعلًا

أمتنُ حجّةٍ للكركم هي أضيقُها، وموضوعها ألمُ المفاصل. فتحليلٌ بَعديٌّ جمع إحدى عشرة تجربةً معشّاة على نحو ألف مريضٍ بفصال الركبة وجد أنّ الكركمينويدات أدّت أداءً مقاربًا لمضادّات الالتهاب غير الستيرويديّة في الألم، مع آثارٍ هضميّةٍ جانبيّةٍ أقلّ. ٩ ويبدو ذلك عنوانًا لامعًا حتى تقرأ حكم المؤلّفين أنفسهم: أنّ التجارب كانت في معظمها صغيرةً ومتدنّية الجودة، وأنّ الأدلّة ليست كافيةً حجمًا ولا جودةً لدعم أيّ توصيةٍ سريريّةٍ ذات معنى.

إذن: إشارةٌ حقيقيّة، في حالةٍ واحدة، من مجموعة أدلّةٍ يصفها مراجعوها أنفسهم بأنّها أضعفُ من أن يُبنى عليها عمل. وهذه خلاصةٌ منصفةٌ غيرُ برّاقة، وهي بعيدةٌ جدًّا عن الادّعاءات المطبوعة على القوارير.

الأصفرُ الذي ليس كركمًا

ثمّة خطرٌ صحّيٌّ واحدٌ في الكركم موثَّقٌ توثيقًا وافيًا، وليس هو البهار. بل ما أُضيف إليه.

فلأنّ المشترين يدفعون ثمن اللون، دأب مُعالِجون في أنحاء من جنوب آسيا عقودًا على صقل جذامير الكركم بكرومات الرصاص، وهي خضابٌ صناعيٌّ أصفرُ ساطع، ورصاصُه بين اثنين وعشرة بالمئة من وزنه. وقد وجد المحقّقون الذين تتبّعوا هذه الممارسة في بنغلاديش الغشَّ في سبعٍ من المقاطعات التسع الكبرى المنتِجة للكركم، ومسحوقًا في السوق بلغ ١١٥٢ ميكروغرامًا من الرصاص لكلّ غرام، وترابًا في ساحات الصقل أعلى من ذلك. ١٠

والجزءُ الذي يُغلِق الحجّة نظائريّ. فالرصاصُ من مصادرَ مختلفةٍ يحمل نسبًا نظائريّةً مختلفة، فيمكن أخذُ بصمته. ولمّا قارن الباحثون الرصاصَ في دم القرويّين البنغلاديشيّين بالمصادر المرشَّحة، طابقَ الكركمَ أكثرَ ممّا طابق الدهان أو العلب المُلحَمة أو التربة. ١١ لم يكن البهارُ طريقًا مشتبَهًا به. كان هو الطريق.

وليست هذه مشكلةً تاريخيّةً حُلَّت. فمسحٌ سنة ٢٠٢٤ شمل ٣٥٦ عيّنةً من أسواق الهند وباكستان وسريلانكا ونيبال، وهي مجتمعةً مصدرُ معظم كركم العالم، وجد نحو أربعة عشر بالمئة فوق عتبة فحص الرصاص، وأسوأُ العيّنات من باتنا وكراتشي وبيشاور تجاوزت ألف ميكروغرامٍ لكلّ غرام. ١٢ ولا يوجد مستوًى آمنٌ من الرصاص لدماغٍ في طور النموّ، وهو ما يجعل هذه من حكايات الطعام النادرة التي يكون فيها التفصيلُ الرقابيُّ المملّ هو الجزءَ الذي يعني طفلًا فعلًا.

والنصيحةُ العمليّة باهتةٌ وجديرةٌ بالاتّباع: اشترِ الكركم من مورّدٍ يفحص المعادن الثقيلة، وعامِل المسحوقَ الفاقعَ بريبة. فاللونُ هو الشيء الذي يُزوَّر.

ولا شيء من هذا ينبغي أن يجعلك تستعمل كركمًا أقلّ. بل أن تستعمله للسبب الصحيح. فهو ترابيٌّ مائلٌ إلى المرارة، يُحيل الدهن ذهبًا، ويفعل ذلك في قدور الطهي منذ الحرابّيّين. والجزيءُ الذي بداخله شيءٌ كيميائيٌّ آسر، وعبرةٌ في سهولة خداع الأجهزة الجيّدة. وهما متعتان منفصلتان، ولم يكن البهارُ مُلزَمًا يومًا بأن يكون دواءً ليستحقّ مكانه على الرفّ.

المصادر

كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.

  1. ١.

    Kashyap A, Weber SA. Harappan plant use revealed by starch grains from Farmana, India. Antiquity Project Gallery. 2010;84(326).

    https://doi.org/10.15184/S2978855200902191
  2. ٢.

    Scott A, Power RC, Altmann-Wendling V, et al. Exotic foods reveal contact between South Asia and the Near East during the second millennium BCE. Proceedings of the National Academy of Sciences. 2021;118(2):e2014956117.

    https://doi.org/10.1073/pnas.2014956117
  3. ٣.

    Nair RR, Sasikumar B. Chromosome number variation among germplasm collections and seedling progenies in turmeric, Curcuma longa L. Cytologia. 2009;74(2):153-157.

    https://doi.org/10.1508/cytologia.74.153
  4. ٤.

    PubChem Compound Summary CID 969516, Curcumin. National Center for Biotechnology Information.

    https://pubchem.ncbi.nlm.nih.gov/compound/969516
  5. ٥.

    Tayyem RF, Heath DD, Al-Delaimy WK, Rock CL. Curcumin content of turmeric and curry powders. Nutrition and Cancer. 2006;55(2):126-131.

    https://doi.org/10.1207/s15327914nc5502_2
  6. ٦.

    Breedlove CH. Turmeric as an acid-base indicator. Journal of Chemical Education. 1995;72(6):540.

    https://doi.org/10.1021/ed072p540
  7. ٧.

    Nelson KM, Dahlin JL, Bisson J, Graham J, Pauli GF, Walters MA. The Essential Medicinal Chemistry of Curcumin. Journal of Medicinal Chemistry. 2017;60(5):1620-1637.

    https://doi.org/10.1021/acs.jmedchem.6b00975
  8. ٨.

    Shoba G, Joy D, Joseph T, Majeed M, Rajendran R, Srinivas PSSR. Influence of piperine on the pharmacokinetics of curcumin in animals and human volunteers. Planta Medica. 1998;64(4):353-356.

    https://doi.org/10.1055/s-2006-957450
  9. ٩.

    Bannuru RR, Osani MC, Al-Eid F, Wang C. Efficacy of curcumin and Boswellia for knee osteoarthritis: systematic review and meta-analysis. Seminars in Arthritis and Rheumatism. 2018;48(3):416-429.

    https://doi.org/10.1016/j.semarthrit.2018.03.001
  10. ١٠.

    Forsyth JE, Nurunnahar S, Islam SS, et al. Turmeric means yellow in Bengali: lead chromate pigments added to turmeric threaten public health across Bangladesh. Environmental Research. 2019;179(Pt A):108722.

    https://doi.org/10.1016/j.envres.2019.108722
  11. ١١.

    Forsyth JE, Weaver KL, Maher K, et al. Sources of blood lead exposure in rural Bangladesh. Environmental Science & Technology. 2019;53(19):11429-11436.

    https://doi.org/10.1021/acs.est.9b00744
  12. ١٢.

    Forsyth JE, Mistree D, Nash E, Angrish M, Luby SP. Evidence of turmeric adulteration with lead chromate across South Asia. Science of The Total Environment. 2024;949:175003.

    https://doi.org/10.1016/j.scitotenv.2024.175003

شارِك هذه الحاشية