تخطَّ إلى المحتوى
MORTAR & KETTLE
عطّارُ النَّكهة
→ كلّ الحواشي
؀٤٤السلامة

في رتبة الخردل فاكهةٌ استوائيّة

بذور البابايا طعمها فجلٌ وحرفٌ لأنّ البابايا مصنّفةٌ مع الخردل، والبذرة تحمل من الكيمياء المعنيّة قدر ما يحمله أشدّ الفجل حرارة. وأمّا تحميصها فهو الشقّ الذي لا يفكّر فيه أحد إلى آخره.

٢٨ أغسطس ٢٠٢٦·قراءة ٩ دقائق·٩ مصادر
في رتبة الخردل فاكهةٌ استوائيّة
المحتويات

اكشط بذور البابايا من جوفها، واغسل عنها الهلام البرتقاليّ، ثم عُضّ واحدة. لا شيء فيها يُقرأ فاكهةً. تقع أقرب إلى الفجل، أو حبّ الرشاد، أو آخر ملعقةٍ من الواسابي: حرارةٌ مرّةٌ نظيفة تصعد خلف الأنف ولا تجلس على اللسان. ومن يجرّب هذا يحسب في الغالب أنّه عثر على طُرفة. وإنّما عثر على شبهٍ عائليّ.

البابايا من الفصيلة الكاريكيّة Caricaceae، والكاريكيّة تقع داخل رتبة Brassicales، وهي الرتبة التي تضمّ كذلك الخردل والملفوف والفجل الحارّ وحبّ الرشاد والكبّار والمورينغا وأبو خنجر. وقد ظلّت سلالاتها تتفرّع نحو مئةٍ وثلاثة ملايين سنة. ٤ والذي يجمع الرتبة قطعةٌ مشتركة من الكيمياء: الغلوكوزينولات، وهي مركّبات كبريتيّة تمنح كلّ واحدةٍ من تلك النباتات حِدّتها الخاصّة. ٣ فحرارة بذرة البابايا ليست مصادفةً ولا طرافةً مدارية. إنّها العُدّة المعتادة لعائلة الخردل، تظهر في فاكهةٍ لا تشبه الخردل في شيء.

والبابايا تحمل غلوكوزينولاتًا واحدًا لا طيفًا منها: الغلوكوتروبايولين. ٣ واسمه مأخوذ من جنس Tropaeolum، أي أبو خنجر، وهو يقوم على المركّب نفسه. والبابايا تركّزه في موضعٍ بعينه. فحين فصل فريقٌ يابانيّ بذر البابايا عن لبّها وقاس الاثنين، جاءت البذرة بأكثر من مليمولٍ واحد من بنزيل الغلوكوزينولات في كلّ مئة غرام، وهو مستوًى وضعوه إلى جانب فجل كارامي دايكون، أشدّ الفجل الأبيض اليابانيّ حرارة، أو إلى جانب حبّ الرشاد. أمّا اللبّ، وهو ما يأكله الناس فعلًا، فلم يُكتشف فيه منه شيء ولم يُظهر نشاطًا إنزيميًّا يُذكر. ١ ووجد مسحٌ لاحق للقشر واللبّ والبذر عبر أطوار النموّ والنضج التدرّج نفسه، والبذور متقدّمةٌ على كلّ ما عداها. ٢

فالفاكهة التي تُفطر عليها وملعقة البذور التي تكشطها إلى سلّة المهملات مكوّنان مختلفان كيميائيًّا صادف أن عُبّئا في قشرةٍ واحدة.

ما الذي يفعله التحميص فعلًا

الغلوكوزينولات وحدها ليست لاذعة. فهي تحتاج إلى الميروزيناز، وهو الإنزيم المخزون منفصلًا عنها في النبتة والذي يُجمَع بها حين تُهرَس الأنسجة. وبذرة البابايا فيها منه وفرة: فالقياس نفسه الذي وجد الغلوكوزينولات وجد في البذرة نشاطًا عاليًا جدًّا للميروزيناز، وأنّ البذرة إذا تُرك إنزيمها عاملًا أعطت ٤٦٠ مايكرومولًا من بنزيل الإيزوثيوسيانات في كلّ مئة غرام. ١ وذلك الإيزوثيوسيانات هو الحرارة.

والميروزيناز هشٌّ كذلك. ففي البروكلي يتعطّل في مدًى يقارب الثلاثين إلى الستّين درجة، ولاحظ أصحاب تلك الدراسة الحركيّة أنّه أشدّ تأثّرًا بالحرارة من سائر الإنزيمات التي يعنى بها علماء الأغذية عادةً، ومنها أوكسيداز عديد الفينول والبيروكسيداز. ٥ وإذا وضعت مقلاةً جافّة تحت بذور البابايا فأنت تتجاوز ذلك المدى في دقيقةٍ أو دقيقتين.

وههنا تنقلب النصيحة الشائعة على نفسها في هدوء. فالتحميص يُوصى به بوصفه الطريقة المهذّبة لأكل بذور البابايا، وهو يجعلها طيّبةً بالفعل: أكثر جوزيّةً، وأقلّ شراسة، وأسهل طحنًا إلى شيءٍ تضعه حقًّا على سلطة. وإنّما يبلغ ذلك بإتلاف الإنزيم الذي يصنع المركّب الذي يُوصى بها من أجله.

غير أنّه ليس مفتاحًا يُغلَق ويُفتَح. فحين غيّر فريقٌ هولنديّ محتوى الماء في البروكلي من عشرة في المئة إلى تسعين، وسخّنه بين أربعين وسبعين درجة، تعطّل الميروزيناز أبطأ في أشدّ العيّنات جفافًا عند كلّ درجةٍ جُرّبت. ٦ فالبذرة الجافّة مأوًى لإنزيمها أحسن من زهرة بروكلي رطبة. والتحميصة القصيرة في مقلاةٍ جافّة أرفق ممّا توحي به الأرقام وحدها.

وليس تعطيل الإنزيم آخر الحكاية أيضًا. فالعمل على الخضار الصليبيّة المطبوخة يبيّن أنّ الغلوكوزينولات، إذا ذهب ميروزيناز النبتة، تسافر سليمةً إلى القولون فتحلّلها هناك الجراثيم المقيمة. ينتقل موضع الإطلاق من أعلى السبيل الهضميّ إلى أسفله. ووجدت تجارب تغذيةٍ على البشر أنّ التحلّل وامتصاص الإيزوثيوسيانات أكبر من الخضار النيّئة بإنزيمها السليم منه من المطبوخة بلا إنزيم. ٧ فأقلّ إذًا، لا معدوم، ويصل إلى موضعٍ آخر.

والخلاصة العمليّة: اكسرها نيّئةً أو مُدفّأةً بالكاد إن أردت الفلفليّة، فثمّ يبقى الإنزيم عاملًا. وحمّصها تحميصًا تامًّا إن أردت مطحونًا جوزيًّا لطيفًا ينضبط في صلصة سلطة. وكلاهما مكوّنٌ مشروع. لكنّهما ليسا المكوّن نفسه، والألطف منهما ألطفُ لأنّ فيه أقلّ من المركّب الفاعل.

التحذير الصحّيّ، وهو حقيقيّ ومحدّد

لبنزيل الإيزوثيوسيانات تاريخٌ بحثيّ لا علاقة له بالطبخ. ففي ١٩٩٩ أعطى فريقٌ في راجستان أرانب ذكورًا بالغة جزءًا بنزينيًّا من مستخلَصٍ كلوروفورميّ لبذر البابايا، بمقدار خمسين مليغرامًا للحيوان في اليوم مدّة مئةٍ وخمسين يومًا. فانعدم النطف عندها خلال خمسة عشر يومًا وبقيت كذلك طوال المدّة. وكان معدّل خصوبتها صفرًا. ولم تُظهر صورة الدم ولا كيمياء المصل تغيّرًا يُذكر، وكانت الشهوة طبيعيّة، وعاد كلّ شيءٍ إلى أصله بعد ستّين يومًا من وقف المعالجة. ٨

واقرأ ذلك بتأنٍّ قبل أن تقرّر معناه لملعقةٍ صغيرة. فهو جزءٌ مستخلَص بمذيب، لا بذرة؛ وأرنب، لا إنسان؛ وجرعةٌ يوميّة دامت خمسة أشهر. ولم يُظهر أحدٌ أنّ تتبيل الطعام ببذور البابايا يفعل شيئًا من هذا. والذي تثبته الدراسة أنّ للمركّب فعلًا تناسليًّا حقيقيًّا في ثدييّ عند تعرّضٍ مستمرّ، وتلك معرفةٌ في محلّها إن كنت تحاول الإنجاب وقد بدأت تأكلها بالملاعق لأنّ الإنترنت اقترح ذلك.

وثمّة نتيجةٌ ثانية تستحقّ عنايةً أكثر ممّا تنال. فالبابايا تحتوي مستوياتٍ منخفضة من الغلوكوزيدات السيانوجينيّة، وهي طائفة المركّبات التي تطلق سيانيد الهيدروجين إذا أُصيبت النبتة. وكان يُظنّ أنّ هذا الاجتماع لا يقع: فالغلوكوزينولات والغلوكوزيدات السيانوجينيّة كانتا تُفترضان متنافيتين، استراتيجيّتين كيميائيّتين لا تجمعهما نبتةٌ واحدة، والبابايا تجمعهما. ٣ والمستويات منخفضة، والفاكهة تُؤكل في العالم كلّه بلا حادث. ويبقى ذلك حجّةً على معاملة البذور بوصفها بهارًا له جرعة لا طعامًا صحّيًّا يُؤكل بالحفنة.

وأمّا الحمل فالأدلّة فيه تشير إلى الثمرة لا إلى البذرة، وهي أدقّ من المأثور الشائع. فالجرذان التي أُطعمت بابايا ناضجة طوال الحمل لم تختلف في مواضع الانغراس ولا في الأجنّة الحيّة، ولم يظهر سُمٌّ أمويّ ولا جنينيّ، ولم يفعل عصير الناضجة شيئًا بعضلة الرحم المعزولة. وأمّا لبن البابايا الخام، وهو نُسغ الثمرة الفجّة، فأمرٌ آخر: أحدث تقلّصًا تشنّجيًّا يشبه ما يحدثه الأوكسيتوسين والبروستاغلاندين، وكان الردّ في رحم الحمل المتأخّر كُزازيًّا. ٩ وقد حرص الباحثون على القول إنّ هذا نموذجٌ في الجرذ وإنّ الخطر على الإنسان غير مثبت. فالبابايا الناضجة تبدو سليمة. وأمّا الفجّة ولبنها وبذورها فهي التي تُترك في أثناء الحمل.

ولا شيء في ذلك يجعل بذور البابايا غريبةً ولا خطرةً على النحو الذي يشتهيه عنوانٌ صحفيّ. بل يجعلها بذرةً لاذعة من رتبة الصليبيّات لها استجابةٌ للجرعة، وهي الجملة نفسها التي تكتبها عن الفجل الحارّ، أو زيت الخردل، أو مقدارٍ كبير من حبّ الرشاد.

والذي أعود إليه دائمًا هو التغليف. فالبابايا تضع دفاعها الكيميائيّ كلّه في البذور وتترك اللحم أعزلَ تمامًا، حتى يحمل الحيوانُ الذي يأكل الثمرة البذورَ إلى موضعٍ نافع ولا ينال هو غير السكّر أجرًا. وقد قضينا زمنًا طويلًا نأكل النصف الذي أُريد لنا ونرمي النصف الذي أُريد له أن يبقى بعدنا. وتبيّن أنّ النصف المرميّ طعمه طعم رفّ الخردل، لأنّ ذلك ما تفعله العائلة.

المصادر

كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.

  1. ١.

    Nakamura Y, Yoshimoto M, Murata Y, Shimoishi Y, Asai Y, Park EY, Sato K, Nakamura Y. Papaya seed represents a rich source of biologically active isothiocyanate. Journal of Agricultural and Food Chemistry, 2007, 55, 4407-4413.

    https://doi.org/10.1021/jf070159w
  2. ٢.

    Rossetto MRM, Oliveira do Nascimento JR, Purgatto E, Fabi JP, Lajolo FM, Cordenunsi BR. Benzylglucosinolate, benzylisothiocyanate, and myrosinase activity in papaya fruit during development and ripening. Journal of Agricultural and Food Chemistry, 2008, 56, 9592-9599.

    https://doi.org/10.1021/jf801934x
  3. ٣.

    Williams DJ, Pun S, Chaliha M, Scheelings P, O'Hare T. An unusual combination in papaya (Carica papaya): The good (glucosinolates) and the bad (cyanogenic glycosides). Journal of Food Composition and Analysis, 2013, 29, 82-86.

    https://doi.org/10.1016/j.jfca.2012.06.007
  4. ٤.

    Cardinal-McTeague WM, Sytsma KJ, Hall JC. Biogeography and diversification of Brassicales: A 103 million year tale. Molecular Phylogenetics and Evolution, 2016, 99, 204-224.

    https://doi.org/10.1016/j.ympev.2016.02.021
  5. ٥.

    Ludikhuyze L, Ooms V, Weemaes C, Hendrickx M. Kinetic study of the irreversible thermal and pressure inactivation of myrosinase from broccoli (Brassica oleracea L. cv. Italica). Journal of Agricultural and Food Chemistry, 1999, 47, 1794-1800.

    https://doi.org/10.1021/jf980964y
  6. ٦.

    Oliviero T, Verkerk R, Van Boekel MAJS, Dekker M. Effect of water content and temperature on inactivation kinetics of myrosinase in broccoli (Brassica oleracea var. italica). Food Chemistry, 2014, 163, 197-201.

    https://doi.org/10.1016/j.foodchem.2014.04.099
  7. ٧.

    Rungapamestry V, Duncan AJ, Fuller Z, Ratcliffe B. Effect of cooking brassica vegetables on the subsequent hydrolysis and metabolic fate of glucosinolates. Proceedings of the Nutrition Society, 2007, 66, 69-81.

    https://doi.org/10.1017/s0029665107005319
  8. ٨.

    Lohiya NK, Mishra PK, Pathak N, Manivannan B, Jain SC. Reversible azoospermia by oral administration of the benzene chromatographic fraction of the chloroform extract of the seeds of Carica papaya in rabbits. Advances in Contraception, 1999, 15, 141-161.

    https://doi.org/10.1023/a:1006701826831
  9. ٩.

    Adebiyi A, Adaikan PG, Prasad RN. Papaya (Carica papaya) consumption is unsafe in pregnancy: fact or fable? Scientific evaluation of a common belief in some parts of Asia using a rat model. British Journal of Nutrition, 2002, 88, 199-203.

    https://doi.org/10.1079/bjnbjn2002598

شارِك هذه الحاشية