تخطَّ إلى المحتوى
MORTAR & KETTLE
عطّارُ النَّكهة
→ كلّ الحواشي
؀٤٣الكيمياء

رشّةٌ تغيب في البندورة، وملعقةٌ تستولي عليها

الحلبة بقلةٌ من القطاني تتبدّل رائحتها بتبدّل التخفيف، فلذلك تستطيع البذرة الواحدة أن تذوب في صلصةٍ حمراء، وأن تُغلَّف بها لحمةٌ مقدّدة، وأن تظهر في حلوى تُهدى للنفساء.

٢٧ أغسطس ٢٠٢٦·قراءة ٩ دقائق·١٤ مصادر
رشّةٌ تغيب في البندورة، وملعقةٌ تستولي عليها
المحتويات

في مكانٍ ما من القرن التاسع، دوّن الطبيب البغداديّ ابن ماسويه ما تفعله الحلبة بمن يأكلها. قال إنّها تغيّر النكهة، وإنّها تطيّب رائحة الرجيع، وإنّها تفسد رائحة العرق والبول. ونقل ابن البيطار السطر كما هو إلى مادّة الحلبة عنده وهو يكتب في دمشق بعد أربعة قرون، وتركه قائمًا. ١

وقد كان مصيبًا، وكان يصف جزيئًا لن يُسمّى إلّا بعد أحد عشر قرنًا. ففي ١٩٨١ نشرت مجلّة نيو إنغلاند جورنال أوف مديسن رسالةً قصيرة عنوانها: رائحة بول شراب القيقب من أكل الحلبة. ٢ وفي ٢٠٠١ أبلغ فريقٌ من أطبّاء الأطفال عن مواليد فاحت منهم رائحة شراب القيقب فاشتُبه فيهم لبرهةٍ بداء بول شراب القيقب، وهو اضطرابٌ استقلابيّ وراثيّ خطير، والسبب أنّ أمّهاتهم أكلن الحلبة. ٣ بل صار للنسخة الكاذبة منه اسمٌ خاصّ: داء بول شراب القيقب الكاذب. وفي ٢٠١١ أمرّ فريقٌ فرنسيّ عرق إبط الإنسان في كروماتوغرافيا غازيّة موصولةٍ بمنفذ شمّ، بحيث يجلس أنفٌ مدرَّب عند مخرج الجهاز فيصف رائحة كلّ قمّةٍ تُفصَل على حدة. ٤

والمركّب وراء ذلك هو السوتولون. يقول تقرير أطبّاء الأطفال ذلك صراحةً: الحلبة وشراب القيقب وبول المصابين بالداء تشترك في رائحةٍ مميّزةٍ واحدة لأنّها تشترك في مكوّنٍ واحد. ٣ وتبقى دراسة العرق طرفًا سائبًا في هذا التفسير. فمن المركّبات الأربعة والأربعين التي استخرجها الفريق الفرنسيّ من هواء الإبط، ظهرت ثمانيةٌ بعد الحلبة وحدها، ولم يكن السوتولون منها؛ فنسبوا الرائحة على الجلد إلى تلك الثمانية بدلًا منه. ٤ والذي لا ينازع فيه أحد أنّ شيئًا يخرج من الجسد ويُشَمّ على صاحبه أيّامًا. وللسوتولون فوق ذلك خاصّةٌ ثانية يقوم عليها سائر ما يأتي: أنّه لا رائحة واحدة له.

البذرة حبّة قطنيّة

الحلبة تقيم في درج البهارات ومكانها بين القطاني. فـ Trigonella foenum-graecum مُدرَجة في الفصيلة البقوليّة Leguminosae، وهي فصيلة البازلّاء والعدس والبرسيم. ١٤ تثبّت النيتروجين، وتنبت في قرن، والحبّة الكهرمانيّة الصلبة التي تطحنها حبّةٌ قطنيّة قبل أن تكون بذرة بالمعنى الذي تكون به بذرة الكزبرة بذرة.

والمطابخ الأعرف بهذه النبتة لم تعاملها يومًا على أنّها بهارٌ وحسب. ومادّة ابن البيطار تفصل بين البذرة وبين بقلة الحلبة، وهي يحذّر من أنّها تصدّع الرأس إذا أُكثر من أكلها. ١ وتلك هي الورقة، تُباع اليوم في أسواق جنوب آسيا باسم المِثِي وتُطبَخ طبخ السبانخ. والمادّة نفسها تحفظ الاسم اليونانيّ عن ديسقوريدوس، طيلس، وتحفظ خبر جالينوس أنّ اليابسة منها كانت تُسمّى قرن الثور لهيئة قرنها. ١

أمّا المرارة التي يشكوها الناس فليست من العطر في شيء. مصدرها صابونيّات ستيرويديّة، وهي أسرةٌ من المركّبات صار الكيميائيّون يفصلونها ويقيسونها بالكروماتوغرافيا السائلة مع مطيافيّة الكتلة. ١٣ والصابونيّات تذوب في الماء. وكلّ تحضيرٍ تقليديّ ينقع البذرة أو يسلقها ثم يريق ماءها، ولم يحتج أحدٌ قطّ إلى نقع الكمّون.

لماذا تغيب رشّةٌ منها في صلصةٍ حمراء

وُصف السوتولون في أدبيّات التحليل بأنّه يحمل رائحةً حلوةً عسليّةً جوزيّةً حرّيفةً كاريّةً محروقة، بحسب تركيزه وبحسب توزّع مصاويغه. ٦ فهذا جزيءٌ واحد بقائمة نعوتٍ لا يظهر أنّها تنتمي إلى بعضها، والقائمة ليست تحوّطًا. فالطابع يتحرّك حقًّا مع الجرعة.

وعند الطرف المنخفض لا يُقرأ حلبةً. يُقرأ توابل. فالسوتولون هو المادّة التي عزلها بلانك وشيبرله حين بحثا عمّا يجعل مستخلَص اللبستيكوم التجاريّ يُذاق كالتوابل، ٧ ويعود فيظهر واحدًا من أعلى العطور أثرًا في صلصة الصويا. ٨ وكلاهما رائحة شيءٍ مالحٍ لذيذ ظلّ يقبع ويتركّز، وهو ما تحاول صلصة البندورة الطويلة الطبخ أن تصير إليه.

وثمّة آليةٌ ثانية مركّبة فوق الأولى. بنى فريقٌ دنماركيّ خمسة عشر تحضيرًا من الداشي، وطلب من المحكّمين تقييمها مرّةً بحاسّة الشمّ ومرّةً بدونها، فوجد أنّ رائحةً مالحةً متوافقة ترفع الأومامي المُدرَك رفعًا قابلًا للقياس. ٩ والأثر يعمل بتوافق الرائحة مع الطعم: فالرائحة التي تنتمي إلى اللذاذة تجعل اللذاذة تُسجَّل أقوى. والبندورة المطبوخة غنيّةٌ أصلًا بالغلوتامات الحرّة. فأضِف أثرًا من جزيءٍ رائحته رائحة مرق، تجد الغلوتامات التي كانت هناك دائمًا تُذاق أكثر من نفسها.

فربع ملعقةٍ صغيرة من الحلبة المطحونة في قِدر صلصةٍ حمراء على الطريقة السوريّة تزيد عمقًا لنكهةٍ موجودةٍ في القِدر أصلًا، لا نكهةً يستطيع أحدٌ تسميتها، وهي تعمل ههنا أحسن ممّا تعمل في أكثر المواضع لأنّ البندورة تأتي بالغلوتامات التي تضخّمها. والحيلة نفسها تنجح في يخنة عدس ولا تصنع كبير شيءٍ في سلطة خيار.

وموضع الخطأ هو التجاوز. إذا تعدّيت النقطة التي يبقى العطر عندها تحت العتبة، وصلت نفحة الكاري دفعةً واحدة، ولا تعود تمتزج إلى الوراء في الصلصة. فهذه توابل فيها هاوية، والمهارة العمليّة كلّها في البقاء على الجانب القريب منها. تُحمَّص البذرة تحميصًا خفيفًا، وتُطحن ناعمةً، ويُبدأ بربع ملعقةٍ صغيرة لقِدر عائلة، وتُضاف باكرًا بما يكفي لتستقرّ ساعةً في كلّ ما حولها.

والطرف الآخر من المقياس هو التشمن، وهو المعجون الذي يُدهَن به البسطرمة في الأناضول وبلاد الشام ويُؤكَل في حلب باسم الباسطرما. والتركيبة التقليديّة تبلغ خمسين في المئة دقيق بذر حلبة، وخمسةً وثلاثين في المئة ثومًا، وخمسة عشر في المئة فلفلًا أحمر حلوًا. ١٠ فنصف المعجون حلبة. وما من آكلٍ له في شكٍّ ممّا يذوق، وذلك هو المقصود منه.

الصينيّة التي تصل بعد الولادة

وفي فلسطين تظهر الحبّة نفسها حلوى. فالحلبة كعكةٌ من السميد وزيت الزيتون، يُشتغَل فيها حبّ الحلبة بعد نقعه وتطريته، ثم تُخبَز وتُغرَق بالقطر وتُقطَّع مائلةً معيّناتٍ. ويُنثَر عليها السمسم أو حبّة البركة. وهي من الأطباق التي لا يقف الناس منها موقفًا محايدًا، ولها استعمالٌ اجتماعيّ بعينه: تُحمَل صينيّةٌ منها إلى امرأةٍ وضعت حملها للتوّ.

وتلك عادةٌ موثّقة لا مرويّةٌ فحسب. فمسحٌ مقطعيّ شمل ٣٥٠ امرأةً حاملًا ومرضعًا في الضفّة الغربيّة، أُجري بين تشرين الثاني ٢٠١٧ وشباط ٢٠١٨، وجد الحلبة أكثر النباتات استعمالًا في أثناء الرضاعة على الإطلاق، بقيمة استعمالٍ ٠٫٨٢، متقدّمةً على القرفة عند ٠٫٤٥ والمرميّة عند ٠٫٣٩. ١١ وليست هذه خصوصيّةً إقليميّة. فتجميعٌ عالميّ ضمّ ٤٬٤١٨ تقرير استعمالٍ تغطّي ١٬٩٤٨ نوعًا وجد Trigonella foenum-graecum مسجّلةً ٦٤ مرّة للرضاعة والتعافي بعد الولادة، لا يسبقها إلّا الشمرة. ١٢

والفكرة أقدم من ذلك، فهي في مادّة دمشق نفسها التي فيها كلّ ما سبق. فمن الاستعمالات التي يعدّدها ابن البيطار إجلاس النساء في طبيخ الحلبة لأوجاع الأرحام. ١ والكعكة وسيلةٌ ألطف من مقعدٍ في طبيخ، ولها فوق ذلك ميزةُ أنّها شيءٌ يمكن أن يُناوَل باليد هديّةً.

أمّا هل تزيد إدرار الحليب فمسألةٌ أخرى، والجواب الأمين أنّ الأدلّة رقيقة. تلخّص قاعدة بيانات الرضاعة حالها بلا تزويق: تحليلٌ بعديّ وجد أثرًا خفيفًا وملفَّ أمانٍ مجهولًا، وآخر لم يجد دليلًا جيّدًا على أيّ أثرٍ البتّة، وتحليلٌ حديث يفيد بأنّ الثقة ضعيفةٌ جدًّا في أنّ كبسولات الحلبة لا تزيد حجم الحليب عند اليوم العاشر. ٥ واختلاف تحليلين بعديّين على الأدبيّات نفسها علامةٌ في العادة على أنّ التجارب تحتهما صغيرةٌ ورديئة التكافؤ، وهي كذلك.

والذي لا شكّ فيه هو الرائحة. تذكر القاعدة نفسها أنّ رائحة شراب القيقب تبلغ البول والعرق والبراز وربّما الحليب، وتنسبها إلى السوتولون بالاسم. ٥ فامرأةٌ أُهديت صينيّة حلبة ستفوح منها بعد يومٍ أو نحوه فوحًا خفيفًا، ويفوح من الرضيع مثله.

ومعنى ذلك أنّ الحلوى، والتشخيص الكاذب في جناح المواليد، وملاحظة طبيبٍ بغداديّ عن العرق، كلّها ملاحظةٌ واحدة وصلت من طرقٍ شتّى. ولم يكن عند ابن ماسويه سبيلٌ إلى معرفة ما كان يشمّه. غير أنّه دوّنه على كلّ حال، في عدادٍ من الخواصّ يمضي رأسًا إلى كسر الأعضاء وتليين الطبيعة، كأنّه كلامٌ عاديّ يُقال في حبّة قطنيّة.

وفي المرّة القادمة التي تضع فيها ربع ملعقةٍ صغيرة في قِدر بندورة، فذلك هو المركّب الداخل. ولن تذوقه، وهذا كلّ سبب استعماله. وبعد يومين، إن كنت ثقيل اليد، قد تلحظه في مكانٍ آخر.

المصادر

كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.

  1. ١.

    Ibn al-Baytar (Abd Allah ibn Ahmad al-Malaqi, d. 646 AH / 1248 CE, Damascus). Al-Jami li-mufradat al-adwiya wa-l-aghdhiya, entry hulba, in the ha section. Read in Arabic in volume 2 of the four-volume Arabic printing digitised by the Internet Archive. Source for Galen's report that dried fenugreek is called ox horn, for baqlat al-hulba as a pot-herb that causes headache if eaten to excess, for Ibn Masawayh on what it does to the breath, the stool, the sweat and the urine, for al-Razi on the chest and the cough, for the Greek name telis from Dioscorides, and for the practice of seating women in a fenugreek decoction for pains of the womb.

    https://archive.org/details/1_20210320_20210320_0857
  2. ٢.

    Maple-Syrup Urine Odor Due to Fenugreek Ingestion. New England Journal of Medicine, 1981, 305, 467. Correspondence, no authors listed.

    https://doi.org/10.1056/NEJM198108203050823
  3. ٣.

    Korman SH, Cohen E, Preminger A. Pseudo-maple syrup urine disease due to maternal prenatal ingestion of fenugreek. Journal of Paediatrics and Child Health, 2001, 37, 403-404.

    https://doi.org/10.1046/j.1440-1754.2001.00617.x
  4. ٤.

    Mebazaa R, Rega B, Camel V. Analysis of human male armpit sweat after fenugreek ingestion: Characterisation of odour active compounds by gas chromatography coupled to mass spectrometry and olfactometry. Food Chemistry, 2011, 128, 227-235.

    https://doi.org/10.1016/j.foodchem.2011.02.063
  5. ٥.

    Fenugreek. In: Drugs and Lactation Database (LactMed), National Institute of Child Health and Human Development, Bethesda. NCBI Bookshelf NBK501779.

    https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK501779/
  6. ٦.

    Pereira V, Leca JM, Gaspar JM, Pereira AC, Marques JC. Rapid Determination of Sotolon in Fortified Wines Using a Miniaturized Liquid-Liquid Extraction Followed by LC-MS/MS Analysis. Journal of Analytical Methods in Chemistry, 2018, 2018, 4393040.

    https://doi.org/10.1155/2018/4393040
  7. ٧.

    Blank I, Schieberle P. Analysis of the seasoning-like flavour substances of a commercial lovage extract (Levisticum officinale Koch.). Flavour and Fragrance Journal, 1993, 8, 191-195.

    https://doi.org/10.1002/ffj.2730080405
  8. ٨.

    Steinhaus P, Schieberle P. Characterization of the Key Aroma Compounds in Soy Sauce Using Approaches of Molecular Sensory Science. Journal of Agricultural and Food Chemistry, 2007, 55, 6262-6269.

    https://doi.org/10.1021/jf0709092
  9. ٩.

    Frost MB, Hartmann A, Petersen MA, Duelund L, Mouritsen OG. Odour-induced umami: Olfactory contribution to umami taste in seaweed extracts (dashi) by sensory interactions. International Journal of Gastronomy and Food Science, 2021, 25, 100363.

    https://doi.org/10.1016/j.ijgfs.2021.100363
  10. ١٠.

    Koker O, Kilic B, Simsek A. Effects of Cemen pastes prepared in different formulations on physicochemical, microbiological, and textural properties of beef hamburger patties during refrigerated storage. Food Science & Nutrition, 2024, 12, 4330-4341.

    https://doi.org/10.1002/fsn3.4099
  11. ١١.

    Eid AM, Jaradat N. Public Knowledge, Attitude, and Practice on Herbal Remedies Used During Pregnancy and Lactation in West Bank Palestine. Frontiers in Pharmacology, 2020, 11, 46.

    https://doi.org/10.3389/fphar.2020.00046
  12. ١٢.

    Sibeko L, Johns T. Global survey of medicinal plants during lactation and postpartum recovery: Evolutionary perspectives and contemporary health implications. Journal of Ethnopharmacology, 2021, 270, 113812.

    https://doi.org/10.1016/j.jep.2021.113812
  13. ١٣.

    Krol-Kogus B, Glod D, Krauze-Baranowska M. Qualitative and quantitative HPLC-ELSD-ESI-MS analysis of steroidal saponins in fenugreek seed. Acta Pharmaceutica, 2019, 70, 89-99.

    https://doi.org/10.2478/acph-2020-0013
  14. ١٤.

    International Plant Names Index, record 523957-1: Trigonella foenum-graecum L., family Leguminosae. Royal Botanic Gardens Kew, Harvard University Herbaria and Australian National Botanic Gardens.

    https://www.ipni.org/n/523957-1

شارِك هذه الحاشية