تخطَّ إلى المحتوى
MORTAR & KETTLE
APOTHECARY OF FLAVOR
→ كلّ الحواشي
؀٠٢التاريخ

ما دفعته روما في الفلفل حقًّا

وثيقةُ جماركَ في فيينا، وشكوى من بلينيوس، وقلويدٌ واحد يضرب المستقبِل العصبيّ نفسه الذي يضربه الفلفل الحارّ. وأيضًا: الفلفل لم يساوِ وزنه ذهبًا قطّ.

31 يوليو 2026·قراءة ٧ دقائق·٩ مصادر
ما دفعته روما في الفلفل حقًّا

الفلفلُ الأسود كرمةٌ من الغاتس الغربيّة، ذلك العمود الجبليّ الرطب الممتدّ على الساحل الجنوبيّ الغربيّ للهند. والأبحاثُ في تطوّر جنس Piper تضع وصوله إلى شبه القارّة الهنديّة قبل عشرات ملايين السنين، قادمًا من جنوب شرق آسيا في موجات، حتى صارت الغاتس مركز تنوّعه. ١ وكلُّ ما يلي، وكلُّ إمبراطوريّةٍ التوت على نفسها من أجل هذه النبتة، إنّما هو أثرٌ لغابةٍ رطبةٍ واحدة.

قصاصةُ بردٍ واحدة، وسفينةٌ واحدة

أفضلُ دليلٍ على حجم تجارة الفلفل الرومانيّة ورقةُ بردٍ واحدة في فيينا. مُفهرَسةٌ باسم P.Vindob. G 40822 وتُعرَف عادةً ببردية موزيريس، وهي وثيقةٌ من منتصف القرن الثاني كُتِبت على وجهيها: عقدُ قرضٍ على وجه، وتسويةٌ جمركيّةٌ على الآخر، تخصّان حمولةً نُقِلت من ساحل مليبار على متن سفينةٍ اسمها هيرمابوللون. وكانت البضاعةُ فلفلًا في أغلبها، ومعها السنبل والعاج، وبلغ التقديرُ ما يزيد على ألفٍ ومئةِ تالنتٍ، وكان ذلك أساسَ رسم الاستيراد الرومانيّ البالغ خمسةً وعشرين بالمئة. ٢

سفينةٌ واحدة. واستمارةُ ضريبةٍ واحدة. وقد صارت من أكثر الوثائق استشهادًا في تاريخ الاقتصاد القديم لهذا السبب بالذات: أنّها عاديّةٌ إلى هذا الحدّ. ليست سِفرًا في تجارة البهارات، بل مجرّد أوراق.

أمّا بلينيوس الأكبر، الكاتبُ في القرن الأوّل، فلم يُعجَب بالأمر كلّه. فقد حسب أنّ الهند لا تمتصّ في أيّ عامٍ أقلّ من خمسين مليون سيسترس من ثروة الإمبراطوريّة، وتردّ بضاعةً تُباع عندنا بمئة ضعف كلفتها الأصليّة. ٣ وفي الفلفل خاصّةً كان أقربَ إلى الضجر، إذ يلاحظ أنّه لا شيء فيه يُوصي به لا في ثمرةٍ ولا في حبّة، وأنّ فضيلته الوحيدة المُرضية هي الحِدّة، وأنّنا نقطع الطريق إلى الهند كلّها من أجل هذا. ٤ واشتكى أيضًا أنّ الفلفل والزنجبيل ينبتان بَرّيَّين في بلادهما ومع ذلك يُشتَريان بالوزن كما يُشترى الذهب أو الفضّة، وهي أقدم صيغةٍ لعبارةٍ ما زال الناس يردّدونها.

أمّا عبارةُ الذهب

ويجدر التوقّف عندها، لأنّ صيغتها الحديثة خاطئةٌ ببساطة. فالفلفل لم يساوِ وزنه ذهبًا حرفيًّا في يومٍ من الأيام. وقد وضع المؤرّخ الغذائيّ مايكل كروندل رقمًا على ذلك: ففي البندقيّة في أوائل القرن الخامس عشر، عند ذروة سعر الفلفل على الإطلاق، كان رطلُ الذهب لا يزال يشتري أكثر من ثلاثمئة رطلٍ من الفلفل. غالٍ، بلا شكّ. لكن ثلاثمئة إلى واحدٍ ليست تعادلًا.

والادّعاءُ المفضّل الآخر، أنّ الفلفل عمل عملَ العملة، يقلب أدلّة العصور الوسطى رأسًا على عقب. فـ«إيجارُ حبّة الفلفل» أداةٌ قانونيّةٌ إنجليزيّةٌ حقيقيّة ما زالت مصطلحًا معمولًا به، لكنّ جوهرها كلّه أنّ حبّة الفلفل رمز، دفعةٌ اسميّةٌ تنوب عن عوضٍ حقيقيّ حتى يُوثَّق عقدُ الإيجار دون أن ينتقل مال. فهي دليلٌ على أنّ الفلفل كان معروفًا ومعدودًا، لا على أنّه كان نقدًا.

أمّا ما يستوقف حقًّا فيقع في بابٍ آخر. فحين فاوض مجلسُ الشيوخ ألاريك خارج أسوار روما سنة ٤٠٨، شملت الفديةُ التي وافقوا عليها خمسة آلاف رطلٍ من الذهب، وثلاثين ألفًا من الفضّة، وأربعة آلاف رداءٍ من حرير، وثلاثة آلاف جلدٍ مصبوغ، وثلاثة آلاف رطلٍ من الفلفل. ٥ وزوسيموس يسجّل الشروط لا الإيصال، فاقرأها على أنّها ما اتُّفِق عليه لا ما سُلِّم. ومع ذلك: حبّةٌ مجفّفةٌ من غابةٍ جبليّةٍ في الهند، مُدرَجةٌ في الصفحة نفسها مع السبائك.

لماذا يحرق

حِدّةُ الفلفل تأتي من البيبيرين، C₁₇H₁₉NO₃، وهو قلويدٌ أميديّ كتلته نحو ٢٨٥ غرامًا لكلّ مول. ٩ والآليّةُ هي الجزء المدهش حقًّا. فالبيبيرين ينشّط TRPV1، القناة الأيونيّة نفسها التي يستعملها الكابسيسين، وهي المستقبِل الذي يبلّغ أيضًا عن الحرارة الحارقة الحقيقيّة. الفلفلُ والفلفل الحارّ، وبينهما لا قرابةَ نباتيّةٌ ومحيطٌ كامل، وصلا إلى الهدف الجزيئيّ نفسه.

لكنّهما لا يصلان على قدم المساواة. فبالقياس على المستقبِل البشريّ، يبلغ تركيزُ البيبيرين نصفِ الأقصى نحو ٣٨ ميكرومولار مقابل ٠٫٢٩ للكابسيسين، أي إنّه أضعفُ بنحو مئة ضعف. غير أنّه عند التشبّع يُنتج نحو ضعف الاستجابة القصوى للكابسيسين، ويُخمِد المستقبِل أسرع، بعمرِ نصفٍ قريبٍ من عشر ثوانٍ حيث يتجاوز الكابسيسين العشرين. ٦ وهذا ينطبق على شيءٍ يعرفه كلُّ طاهٍ دون أن يعرف سببه: حِدّةُ الفلفل الحارّ أنفذُ وأطولُ بقاءً، وحِدّةُ الفلفل الأسود أوسعُ ثمّ تُرخي قبضتها.

لماذا يبهت البرطمان القديم

اترك الفلفل في الضوء ينقلب على نفسه. فالبيبيرين يتحوّل ضوئيًّا إلى إيزوبيبيرين وشافيسين وإيزوشافيسين، وهي متصاوغاتٌ هندسيّةٌ أقلُّ حِدّةً بكثير، ويزداد التحوّل بشدّة الضوء ومدّة التعرّض حتى يبلغ حالةً مستقرّة. ٧ فالبرطمانُ على رفٍّ مشمس يجرّد نفسه من سلاحه على مهل.

وهذا نصفُ حكاية الفلفل البائت، وأصغرُ النصفين. فالبيبيرين جزيءٌ ثابتٌ شحيحُ التطاير. أمّا الذي يفرّ فعلًا من الفلفل المطحون سلفًا فهو الكسرُ التربينيّ، البينين والليمونين وما إليهما، وهو الذي يحمل النفحة العليا الطازجة الراتنجيّة التي تكاد تكون حمضيّة. فالفلفلُ المطحون القديم يحتفظ بأكثر لسعته ويفقد عطره. يصير طعمه مسطّحًا حارًّا لا مشرقًا حارًّا. وهذا إجماعٌ راسخٌ في كيمياء النكهة أكثر منه نتيجةً أستطيع ردّها إلى بحثٍ واحدٍ قاطع، فخذه على أنّه أفضل تفسيرٍ متاح لا قياسًا محسومًا.

الرقمُ الشهير، في سياقه

لعلّك رأيت الادّعاء بأنّ الفلفل يرفع امتصاص الكركمين بألفي بالمئة. وهو حقيقيّ، ويعود إلى بحثٍ واحد: دراسةٌ دوائيّةٌ حركيّةٌ سنة ١٩٩٨ أعطت الكركمين مع عشرين ملّيغرامًا من البيبيرين ودونه، فوجدت زيادةً قدرها ١٥٤ بالمئة في التوافر الحيويّ عند الجرذان، ونحو عشرين ضعفًا عند متطوّعين من البشر. ٨

لكن يجدر أن تقرأ ما وراء العنوان. فهي دراسةٌ واحدةٌ صغيرة، نُشِرت قبل نحو ثلاثين عامًا، وإحدى المؤسّسات المشاركة في تأليفها تصنّع خلاصةَ بيبيرين تجاريّةً تُباع لهذا الغرض بعينه. ولا شيء من ذلك يجعلها خاطئة. لكنّه يعني أنّ الرقم يؤدّي في تسويق المكمّلات عملًا أكبرَ ممّا تحتمله قاعدةُ الأدلّة وراءه. وهي نتيجةٌ تستحقّ التكرار العلميّ أكثر ممّا تستحقّ الترديد.

والذي ينجو من هذا كلّه هو المطحنةُ على المائدة. كرمةٌ من سلسلةٍ جبليّةٍ رطبةٍ واحدة، وجزيءٌ يخدع مستقبِلًا للحرارة، وعادةٌ من الغلاء بحيث ظنّ بلينيوس أنّنا فقدنا عقولنا. ولم يكن مخطئًا تمامًا، وفعلناها على أيّ حال.

المصادر

كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.

  1. ١.

    Sen S, Dayanandan S, Davis T, et al. Origin and evolution of genus Piper in peninsular India. Molecular Phylogenetics and Evolution. 2019;138:102-113.

    https://doi.org/10.1016/j.ympev.2019.05.033
  2. ٢.

    De Romanis F. The Indo-Roman Pepper Trade and the Muziris Papyrus. Oxford University Press, 2020. On P.Vindob. G 40822, held in the Papyrus Collection of the Austrian National Library, Vienna.

    https://doi.org/10.1093/oso/9780198842347.001.0001
  3. ٣.

    Pliny the Elder, Natural History, Book 6, section 101, on the annual drain of Roman wealth to India. Rackham translation.

    https://www.attalus.org/pliny/hn6b.html
  4. ٤.

    Pliny the Elder, Natural History, Book 12, section 28, on pepper's pungency and its price. Rackham translation.

    https://www.attalus.org/pliny/hn12a.html
  5. ٥.

    Zosimus, New History, Book 5.41, on the ransom the Roman Senate agreed with Alaric in 408 CE. Translation at Livius.org.

    https://www.livius.org/sources/content/zosimus/zosimus-new-history-5/
  6. ٦.

    McNamara FN, Randall A, Gunthorpe MJ. Effects of piperine, the pungent component of black pepper, at the human vanilloid receptor (TRPV1). British Journal of Pharmacology. 2005;144(6):781-790.

    https://doi.org/10.1038/sj.bjp.0706040
  7. ٧.

    Kozukue N, Park MS, Choi SH, et al. Kinetics of light-induced cis-trans isomerization of four piperines and their levels in ground black peppers as determined by HPLC and LC/MS. Journal of Agricultural and Food Chemistry. 2007;55(17):7131-7139.

    https://doi.org/10.1021/jf070831p
  8. ٨.

    Shoba G, Joy D, Joseph T, Majeed M, Rajendran R, Srinivas PSSR. Influence of piperine on the pharmacokinetics of curcumin in animals and human volunteers. Planta Medica. 1998;64(4):353-356.

    https://doi.org/10.1055/s-2006-957450
  9. ٩.

    PubChem Compound Summary CID 638024, Piperine. National Center for Biotechnology Information.

    https://pubchem.ncbi.nlm.nih.gov/compound/638024