الملح يعمل في الأغلب بالطرح لا بالإضافة
سبب تحسين رشّة الملح لكلّ شيءٍ تقريبًا ليس أنّها تضيف ملوحة. إنّها تزيل المرارة، وتفعل ذلك على نحوٍ غير متبادَل، وتبيّن أنّ للّسان طريقين منفصلين لتذوّق الملح لا يتّفقان.

المحتويات
كلّ من يطبخ يعرف تلك اللحظة. القدر يغلي على مهلٍ منذ ساعة، ومذاقه باهتٌ فيه خلل، فتضيف ملحًا، فإذا به فجأةً يصير الشيء الذي كان يُفترض أن يكونه. تصير البندورة أكثر بندورة. ويصير للمرق عمقٌ لم يكن فيه قبل ثلاثين ثانية. ولم يُضَف شيء سوى كلوريد الصوديوم، ومع ذلك فالتغيّر ليس في الملوحة.
في ١٩٩٧ نشر پول برسلين وغاري بوشامب من مركز مونيل للحواسّ الكيميائيّة ورقةً من صفحةٍ واحدة في مجلّة نيتشر عنوانها يفشي الجواب كلّه: الملح يعزّز النكهة بكبح المرارة. ١ فالتعزيز الذي يصفه الناس إزالةٌ في معظمه. أخرِج المرارة من خليط، يعلُ كلّ ما بقي فيه من غير أن يتغيّر شيءٌ آخر.
وقبل ذلك بعامين كان الاثنان قد أجريا النسخة الدقيقة من التجربة. أخذا ستّة أملاح وستّة مركّبات مرّة، ومزجاها في كلّ تركيبةٍ ممكنة عند أربعة تراكيز، وطلبا من محكّمين تقدير المرارة والملوحة كلًّا على حدة بطريقة تقدير المقدار. وفي أكثر الحالات كُبحت المرارة بالملح، وإن تفاوت المقدار بحسب المركّب المرّ المعنيّ. واليوريا استسلمت بسهولةٍ خاصّة. ٢
الجزء الذي يجعله نافعًا
والنتيجة التي تهمّ على النار هي انعدام التبادل. فقد أفادا بأنّ كبح المرارة لم يصحبه كبحٌ متبادلٌ مكافئ للملوحة، وأنّه عند التراكيز العالية من كلوريد الصوديوم لم يؤثّر أيّ مركّبٍ مرّ في الملوحة البتّة. ٢
واقرأ ذلك مرّةً أخرى بوصفك طبّاخًا لا عالِم نفسٍ فيزيائيّ. الملح يغلب المرّ، والمرّ لا يردّ الغلبة. ولهذا كان الملح هو التصحيح لصلصةٍ اختُزلت أكثر من اللازم، ولبصلةٍ احترقت، ولورقٍ أخضر مرّ، ولمرقٍ داكن كالقهوة، ولهذا لا وجود للعمليّة العكسيّة. فليس ثمّ مكوّنٌ تضيفه ليصير الشيء أقلّ ملوحة. إمّا أن تخفّف، وإمّا أن تبدأ من جديد.
وهو أيضًا الحجّة كلّها على التمليح على مراحل بدل التمليح في آخر الأمر. فالمرارة التي تكبحها تتولّد على امتداد الطبخ، وتصحيحٌ واحد عند النهاية يطلب من إضافةٍ واحدة أن تؤدّي عملًا كان مطلوبًا قبل ساعة.
أين يقع الكبح فعلًا
وظلّت الآليّة خمسةً وعشرين عامًا سؤالًا مفتوحًا: هل يتدخّل الصوديوم في مستقبِلات المرارة نفسها، أم أنّ الدماغ يقوم بالمزج في مرحلةٍ أعلى؟ ففي ٢٠٢٤ اختبر فريقٌ ذلك مباشرةً، إذ عبّر عن أربعةٍ من نحو خمسةٍ وعشرين مستقبِلًا بشريًّا للمرارة في خلايا وأجراها مع ناهضاتها المعتادة بوجود كلوريد الصوديوم وبغيابه. ٣
وجاء الجواب غير مرتّبٍ على نحوٍ طريف. فالصوديوم أثّر في أزواجٍ بعينها من المستقبِل والمركّب دون غيرها. وأظهر TAS2R16 انخفاضًا في الإشارة بوجود الملح؛ أمّا سائر استجابات المرارة فلم تتغيّر مهما تغيّر تركيز الصوديوم. فبعض الكبح يقع عند المستقبِل، وأمّا الباقي فيخلص الباحثون إلى أنّ الآثار المركزيّة هي الغالبة فيه على الأرجح. ٣ فبعض ما يفعله الملح بالمرارة يقع على لسانك وبعضه يقع في رأسك، والقسمة بينهما تتوقّف على أيّ شيءٍ مرّ تتذوّق.
لا مستقبِل للملوحة
والافتراض الآخر الجدير بأن يُترك هو أنّ للملح مستقبِلًا كما للحلو والمرّ. بل له نظامان، وهما يريدان أمرين متضادّين.
فالتراكيز المنخفضة من الصوديوم جاذبة، ولا سيّما لحيوانٍ ينقصه الصوديوم. والتراكيز العالية نافرة. وفي ٢٠١٠ بيّن فريقٌ في كولومبيا أنّ هذين ليسا طرفين لمقياسٍ واحد بل كاشفان منفصلان. فالجاذب انتقائيّ للصوديوم بعينه ويُثبَّط بالأميلورايد؛ والنافر كاشفٌ غير انتقائيّ يستجيب لطيفٍ واسع من الأملاح. ووجدوا أنّ للمسار الجاذب جمهرةً خاصّة به من خلايا التذوّق تُعبّر عن قناة الصوديوم الظهاريّة ENaC، وحين هندسوا فئرانًا تفتقر إلى ENaC في تلك الخلايا أظهرت الحيوانات فقدانًا تامًّا للانجذاب إلى الملح ولاستجابات تذوّق الصوديوم. ٤
وهذا أنظف تفسيرٍ لخيبة بدائل الملح. فكلوريد البوتاسيوم لا يبلغ القناة الخاصّة بالصوديوم التي تنتج الشطر السارّ من طعم الملح، ويظلّ مع ذلك مسجَّلًا على الكاشف النافر غير الانتقائيّ. ومن الطريف أنّ كلوريد البوتاسيوم يظهر في تجارب مونيل للمرارة مرّتين: مرّةً في قائمة الأملاح المختبَرة، ومرّةً في قائمة المركّبات المرّة. ٢ فقد صنّفته الأدبيّات تحت العنوانين، لأنّه ينتمي إليهما معًا.
الشطر اللذيذ
والملح نصف ما يعنيه الناس باللذاذة لا كلّه. أمّا النصف الآخر فقد سُمّي في طوكيو سنة ١٩٠٨ على يد كيكوناي إيكيدا، وكان يشتغل على المرق المتّخذ من الكومبو وبونيتو مجفّف، وقد صار على يقينٍ من أنّ ما يتذوّقه لا تشمله الحلاوة والحموضة والملوحة والمرارة.
أعتقد أنّ ثمّة طعمًا إضافيًّا واحدًا على الأقلّ يتميّز تمامًا عن الأطعمة الأربعة. وهذا الطعم أظهر ما يكون في مرقٍ يُحضَّر من بونيتو مجفّف وأعشابٍ بحريّة. وأقترح أن يُسمّى هذا الطعم أومامي، تيسيرًا. ٥
وقد لزم الأمر قرابة قرنٍ حتى لحق عمل المستقبِلات به، ونبرة الاعتذار في تلك العبارة لفتتني دائمًا. تيسيرًا. إنّه يقترح طعمًا أساسيًّا خامسًا ويستأذن في كلمةٍ تدلّ عليه.
وفي المطبخ يُقدَّم النصفان معًا في العادة، وذلك ما يعنيه الطبّاخ باللذاذة: صوديومٌ يصل ومعه غلوتامات حرّة. البارميزان والأنشوفة وصلصة الصويا وصلصة السمك والبندورة المركّزة والأشياء المعتّقة والمخمّرة عمومًا. وليس شيءٌ من ذلك عمل الملح وحده، وإن كان الملح يؤدّي الجزء الذي لا يلحظه أحد، وهو إزاحة المرارة عن الطريق حتى يجد الغلوتامات مسارًا خاليًا.
والخلاصة العمليّة من هذا كلّه بلا بهاء. مَلِّح باكرًا وعلى طبقاتٍ لا مرّةً واحدة في النهاية. وتوقّع منه أن يصلح المرارة، ولا تتوقّع منه أن يصلح كثيرًا غيرها. واقبل أنّك لا تستطيع إخراجه ثانيةً، لأنّ للّسان قناةً مخصّصة لملاحظة الصوديوم وليس له قناةٌ البتّة للصفح عن كثرته.
المصادر
كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.
- ١.
Breslin PAS, Beauchamp GK. Salt enhances flavour by suppressing bitterness. Nature, 1997, 387, 563.
https://doi.org/10.1038/42388 - ٢.
Breslin PAS, Beauchamp GK. Suppression of Bitterness by Sodium: Variation Among Bitter Taste Stimuli. Chemical Senses, 1995, 20, 609-623.
https://doi.org/10.1093/chemse/20.6.609 - ٣.
Kumar P, Behrens M. Influence of Sodium Chloride on Human Bitter Taste Receptor Responses. Journal of Agricultural and Food Chemistry, 2024, 72, 10531-10536.
https://doi.org/10.1021/acs.jafc.3c08775 - ٤.
Chandrashekar J, Kuhn C, Oka Y, Yarmolinsky DA, Hummler E, Ryba NJP, Zuker CS. The cells and peripheral representation of sodium taste in mice. Nature, 2010, 464, 297-301.
https://doi.org/10.1038/nature08783 - ٥.
Ikeda K. New Seasonings. Chemical Senses, 2002, 27, 847-849. English translation of the 1908 paper in the Journal of the Chemical Society of Tokyo.
https://doi.org/10.1093/chemse/27.9.847