تخطَّ إلى المحتوى
MORTAR & KETTLE
عطّارُ النَّكهة
→ كلّ الحواشي
؀٢٣التاريخ

الدولة فرضت ضريبةً على الطحن، والقهوة لم تكن داكنةً قطّ

البنّ الناعم المغليّ بلا ترشيح شرابٌ واحد تحت عشرة أسماء قوميّة. أخذت الخزينة العثمانيّة خُمس كلفة طحنه، وجعلت اقتناء المقهى هاونًا مخالفةً للقانون. أمّا سائر ما يقوله الناس عن هذا الأسلوب، من التحميص الداكن إلى خريطة البهارات الإقليميّة، فيتبيّن أنّه غير موثَّق.

٦ أغسطس ٢٠٢٦·قراءة ١٤ دقائق·٣١ مصادر
الدولة فرضت ضريبةً على الطحن، والقهوة لم تكن داكنةً قطّ
المحتويات

في مدن الدولة العثمانيّة لم يكن يُسمح لصاحب المقهى بطحن حبّه بنفسه. كان يحمله إلى «تخميسخانة»، أي دار الطحن، حيث يُلقى في هاونٍ حجريّ محفور يُسمّى «دِبَك» ويُدَقّ بمهراسٍ من حديد حتّى يصير مسحوقًا. والاسم من فعلٍ عربيّ معناه التقسيم على خمسة، لأنّ خُمس كلفة الطحن كان يُجبى للدولة. وكان اقتناء هاونٍ في المحلّ نفسه مخالفًا للقانون. خُولف القانون على الدوام، وبقي الاحتكار قائمًا حتّى سنة ١٨٦٨. ١

وحين تفرض خزينةٌ ضريبةً على خطوةٍ بعينها فهي تكون قد قرّرت أنّ الخطوة هي المنتَج، وقد أصابت هنا. فكلّ ما يميّز هذه القهوة ينبع من المسحوق ومن الذي يجري للمسحوق بعد ذلك، وهو لا شيء البتّة. يدخل القِدر، ثمّ يدخل الفنجان، ثمّ يرقد في القاع. والأدبيّات الكيميائيّة تصنّف هذا الأسلوب إلى جانب القهوة المغليّة الإسكندنافيّة ومكبس القهوة تحت عنوانٍ واحد: غير مُرشَّحة. وهذا العنوان يحمل من الوزن أكثر ممّا تحمله كلّ المسائل التي يتجادل الناس فيها. ١٨

قُشِر وحُمِّص ودُقَّ وغُلي

أخذ الصوفيّون في اليمن بهذا الشراب في منتصف القرن الخامس عشر ليسهروا به ليالي الذِّكر، ويُنسب أوّل استعمالٍ من هذا القبيل إلى طريقة الشيخ الشاذليّ. ٢ وبحلول نهاية ذلك القرن كانت القهوة قد بلغت مكّة والقاهرة. ١ والمراجع التركيّة توافق على الأمرين: عُرفت القهوة في اليمن في القرن الخامس عشر، وأوّل من قدّرها كانت الأوساط الصوفيّة. ٣

وفي قصيدةٍ عثمانيّة من القرن السادس عشر أو السابع عشر لشاعرٍ يُدعى نغزي تتجسّد القهوة شخصًا ويتتبّع الشاعر أسفاره. والبيت الذي يصف ما فُعل به هو الطريقة كلّها في بضع كلمات.

«نُزع عنه غطاؤه؛ ثمّ حُمِّص ودُقَّ وغُلي.»
نغزي، قصيدة عثمانيّة صوفيّة، منقولة عند كارابابا وغِير

ثمّ تسوقه القصيدة من اليمن إلى مكّة ودمشق وحلب والقاهرة وأخيرًا إسطنبول. ٢ أمّا الحبّ نفسه فقد وصل العاصمة بحرًا سنة ٩٥٠ للهجرة، أي ١٥٤٣ للميلاد، على ما يذكر كاتب چلبي. ٣

أمّا المقاهي فجاءت بعد ذلك بعقدٍ تقريبًا، والمصادر تختلف في تحديد السنة. يكتب إبراهيم بيتشوي أنّ أوّل مقهيين فُتحا في حيّ تحتاقلعة، يمسكهما حَكَم، تاجرٌ من حلب، وشمس، من دمشق، سنة ٩٦٢ للهجرة، وهي سنةٌ قمريّة تمتدّ من أواخر ١٥٥٤ إلى أواخر ١٥٥٥. ٤ ومعاصره مصطفى عالي يجعلها سنة ٩٦٠، أي قبل ذلك بعامين. ٣ وسنة ١٥٥٤ التي تقرؤها في كلّ مكانٍ بثقة إنّما هي سنةٌ قمريّة سُحقت في تقويمٍ شمسيّ، مع إسقاطٍ صامتٍ لمؤرّخٍ منافس.

ثمّ جاءت قرارات المنع، وهي مؤرَّخة على نحوٍ لا تعرفه أساطير الأصول قطّ. أُغلقت المقاهي في حمص سنة ١٥٥٩، وفي حلب ودمشق والقدس سنة ١٥٦٥، وفي إسطنبول وغلطة سنة ١٥٦٨ حيث صُنّفت مع الحانات. ٣ وفي سنة ١٥٧٨ أعاد السلطان إصدار مرسومٍ إلى والي بورصة يطالب فيه بأن «تُمنع المقاهي، مجتمع أهل الفسوق». وإعادة إصدار المرسوم اعترافٌ بأنّ الأوّل لم يُطَع، والمؤرّخون الذين قرأوا هذه الوثائق يقولونها صراحةً: قاوم الزبائن وأصحاب المقاهي معًا، ونجحت المقاومة. ٢

وأفضل دليلٍ على أنّ الثُّفل كان يبقى دائمًا في الفنجان يأتي من مسرحيّة. ففي سنة ١٥٨٢ قدّمت طائفة أصحاب المقاهي عرضًا في احتفالٍ بإسطنبول والسلطان يشاهد، والمشهد الذي دوّنه راوي البلاط فيه أفقر الزبائن يطلبون من صاحب المحلّ مزيدًا من القهوة، ثمّ يتوسّلون إليه أن يغلي لهم على الأقلّ الثُّفل الباقي في فناجينهم بلا مقابل. ٢ غلوةٌ ثانية للمسحوق نفسه، تُقدَّم للضحك، أمام السلطان.

ومن هناك انتقلت غربًا بسرعة. زار بيتشوي مقهًى فاخر الأثاث في سراييفو سنة ١٥٩١، فيه مجموعاتٌ من الأرائك مخصّصة لطبقاتٍ اجتماعيّة بعينها، ودوّن جنودًا عثمانيّين يشربون القهوة في المجر في الرابع من آب ١٥٩٨. ١ وبحلول أوائل أربعينيّات القرن التاسع عشر قدّر مراقبٌ إنجليزيّ عدد المقاهي في إسطنبول بما لا يقلّ عن ٢٥٠٠. ١

أيّ بلدٍ يشرب أيّ خلطة

هذا هو السؤال الذي خرجت أبحث عن جوابه، والجواب الأمين أنّ معظمه غير مدوَّن أصلًا. لم أعثر على أيّ توثيقٍ محكَّم أو معياريّ أو إثنوغرافيّ لدرجة تحميصٍ أو خلطةٍ سوريّة أو لبنانيّة أو فلسطينيّة أو أردنيّة متمايزة. وقهوة المستكة موجودةٌ فعلًا، لكنّ الدليل الوحيد الذي استطعت التحقّق منه هو صنفٌ تجاريّ في السوق اليونانيّة، يقف إلى جانب صنفٍ بالهيل. ٥ أمّا الورد الدمشقيّ وجوزة الطيب في القهوة فلا يعيدان شيئًا على الإطلاق: لا ورقةً تحليليّة واحدة، ولا دراسةً حسّيّة واحدة، ولا وصفًا إثنوغرافيًّا واحدًا.

ولهذا الصمت سببٌ بنيويّ. ففي سنة ٢٠٢٣ استوردت تركيا نحو ٩٣ مليون كيلوغرام من البنّ الأخضر مقابل ١١ مليون كيلوغرام محمَّصًا سلفًا، واستوردت السعوديّة نحو ٧١ مليونًا مقابل ١٢ مليونًا. أي أنّ قرابة تسعة أعشار القهوة تصل نيئةً إلى البلدين. ١٥ ومن ثمّ فإنّ درجة التحميص والخلطة يُقرَّران في الداخل، عند المحمّصين، بوصفهما حكمًا تجاريًّا يتنافسون عليه. ولا أحد ينشر الشيء الذي يتنافس عليه.

التحميص الداكن الذي لا وجود له

وهذا يقودني إلى اعتقادٍ كنت أحمله أنا نفسي حتّى هذا الأسبوع. الكلّ يعرف أنّ هذه القهوة محمَّصة تحميصًا داكنًا. ففي سنة ٢٠٢٣ وصف فريقٌ في أثينا ٥٧ عيّنة من البنّ المطحون في السوق اليونانيّة، كلّها تُباع لهذه الطريقة بعينها: مسحوقٌ ناعم يُغلى في جذوةٍ أو بريكي. وكانت أكبر فئةٍ بفارقٍ واسع هي خلطات التحميص الفاتح «الأشقر»، ٢٥ عيّنة. أمّا المتوسّط فإحدى عشرة، والداكن ستّ. ٥

والقهوة التركيّة الوحيدة التي وجدت تركيبها موصوفًا بالتفصيل، في تجربةٍ سريريّة تقاطعيّة أردنيّة، كانت من «أجزاءٍ متساوية من حبّ الأرابيكا المحمَّص تحميصًا متوسّطًا وداكنًا» بحسب مواصفة المنتِج. ٦ أمّا تسجيل اليونسكو، وهو رواية تركيا نفسها لهذه الممارسة، فيصف حبًّا محمَّصًا طازجًا يُطحن مسحوقًا ناعمًا، ثمّ يُوضع مع ماءٍ بارد وسكّر في القِدر، ويُغلى ببطءٍ حتّى ترتفع الرغوة. ولا يسمّي درجة تحميصٍ ولا بهارًا. ٢٤

ويزداد الأمر سوءًا للإطار كلّه. فورقةٌ من سنة ٢٠٢٥ عن لون التحميص تقرّر صراحةً أنّه لا توجد معايير صناعيّة متّفق عليها عالميًّا لمعنى الفاتح والمتوسّط والداكن، وأنّ قهوةً تقرأ ٤٠ على جهاز لونٍ تجاريّ لن تقرأ ٤٠ على جهازٍ آخر. ٨ وهناك ستّة أنظمةٍ متنافرة قيد الاستعمال. ومن ثمّ فإنّ سلّم التحميص الواثق الذي يرسمه الناس بين أثينا وإسطنبول والرياض مبنيٌّ على وحداتٍ لا يتحوّل بعضها إلى بعض.

الفارق هو الهيل، وهو فارقٌ هائل

أمّا حيث يظهر فارقٌ إقليميّ فعلًا في الأدبيّات فهو في البهار، والنسب ليست ممّا تهيّئك له وصفةٌ غربيّة لقهوةٍ مبهَّرة. فثلاث تركيباتٍ سعوديّة نُشرت سنة ٢٠٢٥، من المنطقة الشرقيّة والشماليّة والوسطى، تنصّ كلّها على ٤٠ غ من البنّ إلى ٨٠٠ مل من الماء و٣٠ غ من الهيل المطحون. ٩ وتجربةٌ سريريّة من سنة ٢٠٢١ استعملت ٣٠ غ من البنّ و١٠ غ من الهيل. ١٠ وعند الطرف الآخر من المدى، استعملت تجربةٌ من سنة ٢٠٢٣ ملعقةً صغيرة من الهيل للتر الواحد. ١١

خذ الطرف الأثقل مأخذ الجدّ لحظةً. ثلاثون غرامًا من الهيل إلى أربعين غرامًا من البنّ هي ثلاثة أرباع كتلة البنّ نفسه. وهذا ليس تطييبًا، بل هو مكوّنٌ ثانٍ. أمّا القهوة التركيّة الوحيدة الموصوفة بدقّة في الأدبيّات نفسها فقد حُضّرت «بلا هيلٍ ولا أيّ إضافاتٍ أخرى». ٦ وبين التقليدين، البهار هو الفارق الذي دوّنه أحدٌ فعلًا.

والصورة النمطيّة تنكسر داخل مصدرها هي أيضًا. فمن تلك التركيبات السعوديّة الثلاث، تستعمل الشماليّة تحميصًا داكنًا وبلا زعفران، بينما تستعمل الشرقيّة والوسطى تحميصًا متوسّطًا مع الزعفران، والوسطى وحدها تضيف القرنفل، نصف غرامٍ منه. ٩ ورقةٌ واحدة، وثلاث وصفات، وواحدةٌ من الثلاث ترفض أن تنضبط. وتجربةٌ منفصلة تنصّ على حبٍّ محمَّصٍ تحميصًا فاتحًا مع الهيل والقرنفل والزعفران معًا. ١١ فلا خريطة بهارٍ إقليميّة في الأدبيّات، بل حفنةُ بروتوكولاتٍ بحثيّة صادف أن سجّلت ما وُضع في القِدر.

والكيمياء تفسّر على الأقلّ لماذا ينجو الهيل من هذه المعاملة. فزيته العطريّ يبلغ نحو ٩٠ بالمئة من المركّبات المؤكسَجة، يغلب عليها أسيتات ألفا-تربينيل بنحو ٤٤ بالمئة و١،٨-سينيول بنحو ٣٠ بالمئة، بينما لا تتجاوز الهيدروكربونات التربينيّة ١٠ بالمئة من المجموع. ١٢ والتربينات الأحاديّة المؤكسَجة تذوب في الماء وتُحمل مع البخار أسهل من الهيدروكربونات التي تغلب على زيوت الحمضيّات. وبالنسبة إلى بهارٍ يُلقى في قِدرٍ مفتوحٍ على غليانٍ متدفّق، فهذا قريبٌ من المواصفة المثاليّة.

أمّا ما لم يفعله أحدٌ فهو القياس. بحثت في الأدبيّات المفهرَسة بطرقٍ عدّة فلم أجد أيّ دراسةٍ تحليليّة أو حسّيّة للقهوة المبهَّرة بالهيل البتّة: لا شيء عمّا يفعله بالاستخلاص، ولا بملمح الرائحة، ولا بالقدرة المضادّة للأكسدة، ولا بحمولة التربينات الثنائيّة. وكلّ تفسيرٍ ستقرؤه لسبب دخول الهيل في القهوة، من أنّه يقطع المرارة، أو يهدّئ المعدة، أو يستر رداءة الحبّ، هو استدلالٌ شعبيّ. الممارسة عمرها قرون والقياس لم يُؤخذ قطّ.

والتنظيم الخليجيّ يعامل النصفين بوصفهما منتَجين منفصلين، وهذا في ذاته نوعٌ من الدليل. فالمواصفة الخليجيّة للبنّ المحمَّص تشمل الحبّ الصحيح والمطحون من جنس Coffea وتستثني صراحةً البنّ المحمَّص المطحون المحتوي على إضافات. ١٣ أمّا جانب الهيل فيقع تحت مواصفةٍ أخرى تمامًا، لمحسّنات القهوة العربيّة المخلوطة المعبّأة، مصنَّفةٍ تحت التوابل والبهارات. ١٤ فرسميًّا لا وجود لشيءٍ واحد اسمه القهوة العربيّة. هناك حبّ، وهناك بهارٌ تحمله إليه.

ما يفعله غياب المرشِّح

الكافستول والكاهويول تربيناتٌ ثنائيّة محمولةٌ في زيت البنّ، وهما سبب اختلاف سلوك القهوة غير المرشَّحة في الجسم عن المرشَّحة. ففي مقارنةٍ أُجريت على أساليب التحضير واحدًا واحدًا، سجّل تحضيرٌ مغليّ غير مرشَّح ٢٣٢ ملغ/لتر من الكافستول و١٠١٦ ملغ/لتر من الكاهويول. أمّا القهوة المرشَّحة في الدراسة نفسها فسجّلت ٥ ملغ/لتر و١٫٨ ملغ/لتر. ١٧ أي نحو جزءٍ من ستّةٍ وأربعين وجزءٍ من خمسمئةٍ وستّين من المشروب المغليّ.

والآليّة من الوضوح بحيث وضعتها ورقةٌ في عنوانها: العامل الرافع للكوليسترول في القهوة المغليّة لا يعبر مرشِّح الورق. ١٩ فالماء الساخن يستخلص التربينات الثنائيّة والمرشِّح يحجزها. ١٨ وجاء التعريف من إطعام المركّبات مباشرةً: خمسة عشر متطوّعًا تناولوا جزءًا غير ثلاثيّ الغليسريد من زيت البنّ أربعة أسابيع فارتفع الكوليسترول لديهم ٤٨ ملغ/دل مقارنةً بالدواء الوهميّ، والزيت نفسه بعد نزع الكافستول والكاهويول منه لم يفعل شيئًا البتّة. ٢٠

وعلى ذلك تحفّظان أمينان. فالعمل السريريّ فنلنديّ ونرويجيّ وهولنديّ، أُجري على القهوة المغليّة الإسكندنافيّة لا على شيءٍ خارجٍ من جذوة. ٢٠ ١٩ أمّا القهوة التركيّة نفسها فقد اختُبرت في البشر مرّةً واحدة على ما وجدت: تجربةٌ استطلاعيّة على ٤٠ امرأة سليمة بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين يشربن ثلاثة فناجين سعة ٤٠ مل يوميًّا أربعة أسابيع، وأفادت بارتفاع الكوليسترول الضارّ، وارتفاع الضغط الانقباضيّ ٣٫٠ ملم زئبق، ومعدّل النبض ١٠٫٦ نبضة في الدقيقة، وسوء درجات الأرق. ٧ وأربعون امرأة شابّة على مدى أربعة أسابيع تشير في الاتّجاه نفسه الذي تشير إليه التجارب الشماليّة، دون أن تحمل شيئًا من ثقلها.

والجرعة ليست متساوية أيضًا. فحين حضّر فريقٌ القهوتين السعوديّة والتركيّة ببروتوكولٍ واحد، ٢٠ غ من الحبّ في ٥٠٠ مل من الماء عشر دقائق، جاء متوسّط الكافيين ٤٩٫٨ ملغ لكلّ ١٠٠ مل في التحضير السعوديّ و١٢٩٫٦ ملغ لكلّ ١٠٠ مل في التركيّ. ١٦ الحركة نفسها، والقِدر نفسه، وضعفان ونصف من الكافيين.

واعتقادٌ آخر يُقلب ما دمنا هنا. يتكوّن الأكريلاميد أثناء التحميص عبر تفاعل ميلارد، ويبلغ ذروته بين ١٦٠ و١٨٠ درجة مئويّة، ويتحلّل فوق ١٨٠، ومن ثمّ يحمل التحميص الفاتح والمتوسّط منه أكثر ممّا يحمله الداكن. ٢١ وفي قياسٍ على قهوةٍ عربيّة حُمّصت في المختبر، جاء الفاتح أعلاها عند ٤١٠ ميكروغرام/كغ، والداكن ٣٦٠، والمتوسّط ٣١٠. ٢٢ ومع ذلك وجد مسحٌ للسوق السعوديّة القهوة العربيّة المعبّأة بين ٧٣ و١٠٨ ميكروغرام/كغ مقابل ١٥٢ إلى ٦٨٢ للقهوة العاديّة. ٢٣ فالآليّة والقياس يشيران في اتّجاهين متعاكسين ولم يوفّق بينهما أحد. ولعلّ القهوة العربيّة المسوَّقة خليطٌ من بنٍّ وهيل فتكون القهوة مخفَّفة ببساطة. ولم يتحقّق أحدٌ من ذلك أيضًا.

قهوة مَن

تحمل القائمة التمثيليّة لليونسكو الممارسة العريضة نفسها مرّتين، تحت اسمين قوميّين مختلفين، سُجّلا بفارق تسع سنوات. سجّلت تركيا «ثقافة القهوة التركيّة وتقاليدها» سنة ٢٠١٣. ٢٤ وسجّلت الإمارات والسعوديّة وعُمان وقطر «القهوة العربيّة، رمز الكرم» سنة ٢٠١٥، ثمّ وُسّع العنصر سنة ٢٠٢٤ ليضمّ الأردنّ. ٢٥ ولا يدّعي أيٌّ من الترشيحين حصريّة، والقائمة ليست حكمًا في مسألة الأصل. ولا وجود على القائمة لعنصر قهوةٍ يونانيّ أو قبرصيّ أو بوسنيّ أو أرمنيّ البتّة.

وإعادة التسمية اليونانيّة هي الحالة التي يستشهد بها الجميع، وتُروى عادةً على غير وجهها. لم يكن هناك مرسوم. والمُوثَّق تحوّلٌ اجتماعيّ وتجاريّ بطيء: يقول الباحث في شؤون الطعام ألبرت آروه، وقد نشأ هناك، إنّ الجميع في اليونان كانوا في الستّينيّات يسمّونها القهوة التركيّة، وإنّ اجتياح قبرص سنة ١٩٧٤ أشعل القوميّة التي دفعت الاسم القديم خارجًا. وبحلول الثمانينيّات صار طلبها بذلك الاسم محرجًا، وأطلقت الشركات اليونانيّة إعلاناتٍ تعلن ما تشربه البلاد. وكان هناك دافعٌ ثانٍ تجاريّ محض: الاسم الجديد فصل الشراب أيضًا عن الفرابيه والإسبريسو والكابتشينو التي كانت تصل حينها. ٢٦

أمّا الحالة البوسنيّة فأوثق مصدرًا وأغرب. ففي الحقبة التي درسها عالم الفولكلور دوريان يوريتش كانت الأسماء المألوفة turska kahva وdomaća kahva، أي القهوة التركيّة والقهوة البيتيّة. أمّا bosanska kahva، القهوة البوسنيّة، فكانت تُستعمل نادرًا جدًّا، وغالبًا على سبيل المداعبة. ١ والتصحيح الحازم الذي يتلقّاه الزائر في سراييفو اليوم حديثٌ، وقد جاء بعد القهوة بزمنٍ طويل.

وحتّى الأواني ترفض أن تنضبط. ففي التركيّة القِدر هي «الجذوة» cezve، وهي كلمةٌ مأخوذة من العربيّة؛ أمّا الإبريق فوعاءٌ ذو مقبضٍ وفوّهة للماء، ولذلك تبدو عادة تجارة القهوة الإنجليزيّة في تسمية قِدر التحضير ibrik غريبةً على أذن الناطق بالتركيّة. ٢٧ ٢٨ والكلمة اليونانيّة μπρίκι مأخوذة من «إبريق» فعلًا، وهي في اليونانيّة تعني قِدر القهوة. ٢٩ وفي العربيّة المصريّة القِدر هي «الكنكة»، من كلمةٍ فارسيّة تعني صفيحة المعدن، والراسب في القاع هو «التِّلْفة»، مأخوذًا مباشرةً من التركيّة. ٣٠

وذلك الراسب لا يزال هناك في النهاية، والناس يقرأونه. يذكر وصف اليونسكو هذه الممارسة: يُقلب الفنجان على الصحن، ويُترك ليبرد، ثمّ تُؤوَّل الأشكال في داخله. ٢٤ وفي سنة ٢٠٢٥ سجّل ثلاثة باحثين ٢٢ جلسة قراءة فنجانٍ غير رسميّة بين ٢٥ امرأة ناطقة بالتركيّة، ساعتان وأربعون دقيقة من الكلام، وسألوا ما الذي تفعله الجلسات بدل أن يسألوا هل القراءات صحيحة. وكان جوابهم أنّ الطقس يفتح مساحةً للتضامن، ومدخلًا مأذونًا إلى ما يسمّونه حديث المتاعب. ٣١

ومن الغريب أن يكون كلّ هذا دَينًا لغياب. فرضت الخزينة الضريبة على الدقّ لأنّ المسحوق كان هو المنتَج، وبقي المسحوق في الفنجان لأنّ أحدًا لم يصفّه، وتحوّل الراسب في القاع إلى طريقةٍ لقول الأشياء الصعبة بصوتٍ عالٍ في أصيلٍ عاديّ. وكلّ ذلك ينبع من مرشِّحٍ لم يضعه أحدٌ قطّ.

المصادر

كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.

  1. ١.

    Jurić D. Conveying Ćeif: Three Croatian Folklore and Folklife Writings on Bosniak Coffee Culture. FOLKLORICA: Journal of the Slavic, East European, and Eurasian Folklore Association. 2020;23.

    https://doi.org/10.17161/folklorica.v23i.14968
  2. ٢.

    Karababa E, Ger G. Early Modern Ottoman Coffeehouse Culture and the Formation of the Consumer Subject. Journal of Consumer Research. 2011;37(5):737-760.

    https://doi.org/10.1086/656422
  3. ٣.

    Bostan İ. Kahve. TDV İslâm Ansiklopedisi, vol. 24. Istanbul: Türkiye Diyanet Vakfı; 2001.

    https://islamansiklopedisi.org.tr/kahve
  4. ٤.

    Yaşar A. Kahvehane. TDV İslâm Ansiklopedisi, supplementary vol. 2. Istanbul: Türkiye Diyanet Vakfı; 2019.

    https://islamansiklopedisi.org.tr/kahvehane
  5. ٥.

    Tsiaka T, Kritsi E, Bratakos SM, et al. Quality Assessment of Ground Coffee Samples from Greek Market Using Various Instrumental Analytical Methods, In Silico Studies and Chemometrics. Antioxidants. 2023;12(6):1184.

    https://doi.org/10.3390/antiox12061184
  6. ٦.

    Elsahoryi NA, Ibrahim MO, Alhaj OA, Hammouh F. Acute Cardiovascular Effects of Turkish Coffee Assessed by VO2 Test: A Randomized Crossover Trial. Nutrients. 2025;17(5):823.

    https://doi.org/10.3390/nu17050823
  7. ٧.

    Elsahoryi NA, Alhaj OA. Short-Term Turkish Coffee Consumption Elevates Cardiovascular Risk Markers, Decreases Leptin Levels, and Impairs Sleep Quality in Healthy Young Women: A Pilot Randomized Controlled Trial. International Journal for Vitamin and Nutrition Research. 2026;96(1):46713.

    https://doi.org/10.31083/ijvnr46713
  8. ٨.

    Anokye-Bempah L, Styczynski T, Ristenpart WD, Donis-González IR. A universal color curve for roasted arabica coffee. Scientific Reports. 2025.

    https://doi.org/10.1038/s41598-025-06601-w
  9. ٩.

    Alrabeah GO, AlGhazzi AA, AlOtaibi NH, AlAnzan AN, AlOtaibi KF. Evaluation of the Effect of Saudi Coffee Consumption in Comparison to Various Types of Coffees on the Color of Novel Aesthetic Dental Ceramics. The Saudi Dental Journal. 2025.

    https://doi.org/10.1007/s44445-025-00047-6
  10. ١٠.

    Alzoman H, Alzahrani A, Alwehaiby K, Alanazi W, AlSarhan M. Efficacy of Arabic Coffee and Black Tea in Reducing Halitosis: A Randomized, Double-Blind, Controlled, Crossover Clinical Trial. Healthcare. 2021;9(3):250.

    https://doi.org/10.3390/healthcare9030250
  11. ١١.

    Jalal SM, Alsebeiy SH, Aleid HA, Alhamad SA. Effect of Arabic Qahwa on Blood Pressure in Patients with Stage One Hypertension in the Eastern Region of Saudi Arabia. Journal of Personalized Medicine. 2023;13(6):1011.

    https://doi.org/10.3390/jpm13061011
  12. ١٢.

    Pavarino M, Marengo A, Cagliero C, Bicchi C, Rubiolo P, Sgorbini B. Elettaria cardamomum (L.) Maton Essential Oil: An Interesting Source of Bioactive Specialized Metabolites as Inhibitors of Acetylcholinesterase and Butyrylcholinesterase. Plants. 2023;12(19):3463.

    https://doi.org/10.3390/plants12193463
  13. ١٣.

    GSO 2197:2024, Coffee and Coffee Products: Roasted Coffee Beans. GCC Standardization Organization; approved 31 October 2024.

    https://www.gso.org.sa/store/standards/GSO:925595/?lang=en
  14. ١٤.

    GSO 2516:2016, Prepackaged Mixed Improvers of Arabic Coffee. GCC Standardization Organization; approved 12 May 2016.

    https://www.gso.org.sa/store/standards/GSO:727991/?lang=en
  15. ١٥.

    UN Comtrade Database. Imports of coffee under HS 0901.11 (not roasted) and HS 0901.21 (roasted), reporters Türkiye and Saudi Arabia, partner World, 2023.

    https://comtradeplus.un.org/
  16. ١٦.

    Bawazeer NM, Binsunaid F, Alraqea A, et al. Comparative study of Saudi and Turkish coffee consumption in Saudi Arabia: insights into sociodemographic factors and caffeine intake. Frontiers in Nutrition. 2024;11:1407590.

    https://doi.org/10.3389/fnut.2024.1407590
  17. ١٧.

    Moeenfard M, Erny GL, Alves A. Variability of some diterpene esters in coffee beverages as influenced by brewing procedures. Journal of Food Science and Technology. 2016.

    https://doi.org/10.1007/s13197-016-2378-6
  18. ١٨.

    Urgert R, Katan MB. The cholesterol-raising factor from coffee beans. Annual Review of Nutrition. 1997;17:305-324.

    https://doi.org/10.1146/annurev.nutr.17.1.305
  19. ١٩.

    van Dusseldorp M, Katan MB, van Vliet T, Demacker PNM, Stalenhoef AFH. Cholesterol-raising factor from boiled coffee does not pass a paper filter. Arteriosclerosis and Thrombosis. 1991;11(3):586-593.

    https://doi.org/10.1161/01.ATV.11.3.586
  20. ٢٠.

    Weusten-Van der Wouw MPME, Katan MB, Viani R, et al. Identity of the cholesterol-raising factor from boiled coffee and its effects on liver function enzymes. Journal of Lipid Research. 1994;35(4):721-733.

    https://doi.org/10.1016/S0022-2275(20)41169-1
  21. ٢١.

    da Costa DS, Albuquerque TG, Costa HS, Bragotto APA. Thermal Contaminants in Coffee Induced by Roasting: A Review. International Journal of Environmental Research and Public Health. 2023;20(8):5586.

    https://doi.org/10.3390/ijerph20085586
  22. ٢٢.

    Alamri E, Rozan M, Bayomy H. A study of chemical composition, antioxidants, and volatile compounds in roasted Arabic coffee. Saudi Journal of Biological Sciences. 2022.

    https://doi.org/10.1016/j.sjbs.2022.03.025
  23. ٢٣.

    Khan MR, Alothman ZA, Naushad M, Alomary AK, Alfadul SM, Alsohaimi IH, Algamdi MS. Occurrence of acrylamide carcinogen in Arabic coffee Qahwa, coffee and tea from Saudi Arabian market. Scientific Reports. 2017;7:41995.

    https://doi.org/10.1038/srep41995
  24. ٢٤.

    UNESCO. Turkish coffee culture and tradition. Representative List of the Intangible Cultural Heritage of Humanity, Türkiye, inscribed 2013 (8.COM), reference 00645.

    https://ich.unesco.org/en/RL/turkish-coffee-culture-and-tradition-00645
  25. ٢٥.

    UNESCO. Arabic coffee, a symbol of generosity. Representative List, inscribed 2015 (10.COM) by the United Arab Emirates, Saudi Arabia, Oman and Qatar; extended 2024 (19.COM) to include Jordan. Reference 02111.

    https://ich.unesco.org/en/RL/arabic-coffee-a-symbol-of-generosity-02111
  26. ٢٦.

    Kakissis J. Don't Call It 'Turkish' Coffee, Unless, Of Course, It Is. NPR, The Salt. 27 April 2013.

    https://www.npr.org/sections/thesalt/2013/04/27/179270924/dont-call-it-turkish-coffee-unless-of-course-it-is
  27. ٢٧.

    Türk Dil Kurumu. Güncel Türkçe Sözlük, entry cezve.

    https://sozluk.gov.tr/gts?ara=cezve
  28. ٢٨.

    Türk Dil Kurumu. Güncel Türkçe Sözlük, entry ibrik.

    https://sozluk.gov.tr/gts?ara=ibrik
  29. ٢٩.

    Λεξικό της Κοινής Νεοελληνικής (Triantafyllidis Dictionary), entry μπρίκι. Centre for the Greek Language, Aristotle University of Thessaloniki.

    https://www.greek-language.gr/greekLang/modern_greek/tools/lexica/triantafyllides/
  30. ٣٠.

    Rocchi L. Ottoman-Turkish Loanwords in Egyptian and Syro-Lebanese-Palestinian Arabic, Part 4. Studia Linguistica Universitatis Iagellonicae Cracoviensis. 2022;139(4):333-381.

    https://doi.org/10.4467/20834624SL.22.016.16686
  31. ٣١.

    Eröz B, Efeoğlu-Özcan E, Başaran Uysal BÇ. 'Neyse Halim Çıksın Falim': Turkish women's intimate discourse in fortune-telling sessions through coffee cup readings. Discourse Studies. 2025;27(1):82-105.

    https://doi.org/10.1177/14614456241252894

شارِك هذه الحاشية