تخطَّ إلى المحتوى
MORTAR & KETTLE
APOTHECARY OF FLAVOR
→ كلّ الحواشي
؀٠٣الأصول

الحليبُ جاء أوّلًا، والجينُ جاء متأخّرًا

شرب الناسُ في أوروبا الحليبَ ثلاثة آلاف عامٍ قبل أن يستطيع أكثرهم هضمه. والقصّةُ التي كنّا نرويها عن تحمّل اللاكتوز تبيّن أنّها مقلوبة.

31 يوليو 2026·قراءة ٧ دقائق·٨ مصادر
الحليبُ جاء أوّلًا، والجينُ جاء متأخّرًا

الحليبُ شرابٌ غريبٌ لثدييٍّ بالغ. فكلُّ ثدييٍّ يولد قادرًا على هضم اللاكتوز، ويُطفئ كلُّهم تقريبًا الإنزيمَ بعد الفطام، إذ لا معنى لأن تظلّ تدفع ثمن أداةٍ لن تستعملها ثانيةً. والبشرُ في كثيرٍ من العالم استثناء، وبدا سببُ ذلك زمنًا طويلًا بيّنًا: بدأ الناس يربّون الحيوان، وبدؤوا يشربون الحليب، وأتمّ الانتخابُ الطبيعيّ الباقي. ثمّ أعادت الأدلّةُ ترتيب نفسها، وترتيبُ الأحداث الجديد أطرفُ من القديم.

الأثرُ في القِدر

لا يمكنك أن تنقّب عن حليب. لكن يمكنك أن تحلّل الدهون التي امتصّتها جدرانُ إناءٍ فخّاريٍّ قبل آلاف السنين، وأن تميّز دهن الحليب من دهن الذبيحة بنظائر الكربون. وحين طُبِّقت هذه الطريقة على أكثر من ألفي إناءٍ من الشرق الأدنى وجنوب شرق أوروبا، دفعت تصنيعَ الحليب المؤكَّد إلى الألف السابع قبل الميلاد، وبرز شمالُ غرب الأناضول بصفةٍ خاصّة. ١

والطريقةُ نفسها حسمت خلافًا أثريًّا أقدم. فالشقافُ الفخّاريّ المثقّب من منطقة كويافيا في بولندا، وعمره نحو سبعة آلافٍ وخمسمئة عام، طال الظنُّ أنّه مصافٍ. فوجد تحليلُ الدهون دهنَ حليبٍ في ثقوبه، مؤكِّدًا أنّها مصافي جبن، أي إنّ مزارعي العصر الحجريّ الحديث كانوا يفصلون الخثارةَ الغنيّة بالدهن عن الشرش الغنيّ باللاكتوز. ٢ وهذا جديرٌ بالتأمّل، لأنّ التصفية نفسها وسيلةٌ لنزع الجزء الذي يُمرِض الناس من الحليب.

جينٌ واحد، وأجوبةٌ عدّة

النسخةُ الأوروبيّة من استمرار اللاكتيز تغيّرُ حرفٍ واحد، وهو المتغيّر المعروف بـ ‎-13910*T، وهو لا يقع داخل جين اللاكتيز أصلًا. بل يقع في مُعزِّزٍ داخل إنترون في الجين المجاور MCM6، ويعمل مفتاحًا يُبقي LCT شغّالًا حتى البلوغ. ويحمل واحدةً من أقوى إشارات الانتخاب الإيجابيّ الحديث في الجينوم البشريّ كلّه. ٣

وليس هو الجوابَ الوحيد. فمجتمعاتُ الرعي في شرق أفريقيا طوّرت متغيّراتها الخاصّة، ثلاثةً منها على الأقلّ، على خلفيّاتٍ وراثيّةٍ مختلفةٍ تمامًا عن الأوروبيّة. ٤ شعوبٌ مختلفة، تواجه المشكلة نفسها، تصل مستقلّةً إلى الحلّ نفسه بطرقٍ جزيئيّةٍ مختلفة. فليس ثمّة جينٌ واحدٌ لتحمّل اللاكتوز. بل ثمّة جوابٌ تطوّريٌّ متكرّرٌ لسؤالٍ متكرّر.

ترتيبُ الأحداث، مُصحَّحًا

في سنة ٢٠٢٢ وضع فريقٌ كبيرٌ خطّي الأدلّة جنبًا إلى جنب: نحو سبعة آلاف أثرٍ دهنيٍّ صالحٍ مستخرَجٍ من أكثر من ثلاثة عشر ألف شقفةٍ فخّاريّة من ٥٥٤ موقعًا، مقابلَ أنماطٍ وراثيّةٍ من أكثر من ألفٍ وسبعمئة جينومٍ أوراسيٍّ قديم. وقلبت النتيجةُ الروايةَ الأنيقة. فالحليبُ كان في الغذاء الأوروبيّ منذ بدايات الزراعة تقريبًا، ومع ذلك ظلّ أليلُ استمرار اللاكتيز نادرًا آلاف السنين ولم يشِع إلّا نحو الألف قبل الميلاد. ٥

والأدقُّ من ذلك أنّ كميّة الحليب التي استهلكتها منطقةٌ ما لم تتنبّأ بقوّة الانتخاب عليها. الذي تنبّأ به كان مؤشّرات الكثافة السكّانيّة والتعرّض للممرضات. والنموذجُ الذي ينسجم مع ذلك: أنّ من لا يهضمون اللاكتوز شربوا الحليب على أيّ حال، لأنّه كان موجودًا. وفي السنوات العاديّة كان ذلك يعني ضيقًا. أمّا في سنوات المجاعة أو الوباء، حين يكون المرء أصلًا سيّئ التغذية أو يفقد سوائله لمرض، فإنّ الإسهال الناتج عن اللاكتوز يكفّ عن كونه مزعجًا ويصير قاتلًا. فالانتخابُ لم يجرِ على منفعة الحليب اليوميّة. جرى على أسوأ السنين.

«كان استعمالُ الحليب في أوروبا واسعًا منذ بدايات الزراعة تقريبًا، لكنّ استمرار اللاكتيز لم يَشِع إلّا بعد نحو ثلاثة آلاف عام.»
خلاصةُ إيفرشيد وزملائه، ٢٠٢٢

ما الذي يفعله التخمير

اللبنُ هو ما يحدث حين تُوكَل المسألةُ إلى بكتيريتين. وتُستعمَل Lactobacillus delbrueckii subsp. bulgaricus مع Streptococcus thermophilus لأنّ كلًّا منهما يُطعِم الأخرى: فالعصويّةُ تفكّك بروتين الحليب إلى ببتيداتٍ وأحماضٍ أمينيّةٍ تحتاجها المكوّرة، والمكوّرةُ تردّ الفورمات والبيروفات وثاني أكسيد الكربون التي تنمو عليها العصويّة. ولا تعمل أيٌّ منهما بالكفاءة نفسها وحدها.

وكلتاهما تحوّلان اللاكتوز إلى حمض لبنيّ، وهذا الحمضُ هو الذي يؤدّي العمل الفيزيائيّ. فالحليبُ يبدأ قرب درجة حموضة ٦٫٨. وكلّما هبط نحو ٤٫٦ عبر النقطةَ متساوية الشحنة للكازين، حيث تفقد مذيلاتُ البروتين الشحنةَ التي تُبقيها متباعدة فتتشابك في الشبكة الثلاثيّة الأبعاد التي نعرفها لبنًا متماسكًا. فالحموضةُ والقوام حدثٌ واحدٌ يُنظَر إليه من جهتين.

والجزءُ الهضميّ أنيقٌ أكثر. فمن لا يستمرّ لديهم اللاكتيز يحتملون اللبن عادةً أفضل من الحليب، والسببُ أنّ البكتيريا تحمل إنزيمها معها. فبيتا-غالاكتوزيداز الخاصّ بها ينجو من المعدة لأنّه مغلَّفٌ داخل خلايا بكتيريّةٍ سليمة، ثمّ يعود نشطًا في الأمعاء الدقيقة الأقلّ حموضة، ويمنحه بطءُ عبور اللبن وقتًا أطول للعمل. وقد قاست دراسةٌ محكومةٌ قارنت اللبن الحيّ باللبن المقتول بالحرارة عند متطوّعين يعوزهم اللاكتيز هذا بالضبط، فوجدت لاكتوزًا أقلّ بكثيرٍ يبلغ نهاية الأمعاء الدقيقة حين تكون المزارع حيّة. ٦ ٧

وهذه من الادّعاءات الغذائيّة القليلة جدًّا التي أجازتها الهيئةُ الأوروبيّة لسلامة الأغذية فعلًا: أنّ مزارع اللبن الحيّة تُحسّن هضم اللاكتوز عند من يجدون صعوبةً في هضمه. غير أنّ الشرط المرافق مهمّ. فعلى المنتَج أن يحمل مئة مليون كائنٍ بادئٍ حيٍّ على الأقلّ في كلّ غرام لحظةَ أكلك له. ٨ واللبنُ المعالَج حراريًّا بعد التخمير، وهي خطوةٌ شائعةٌ لإطالة الصلاحيّة، لا ينطبق عليه ذلك. فالبكتيريا هي الآليّة، وقتلُها يُلغيها.

النسخةُ المجفّفة

كلُّ ثقافةٍ رعويّةٍ تحلّ مشكلة التخزين نفسها في النهاية، والجميدُ هو الجوابُ الشاميّ والبدويّ: لبنٌ من حليب الغنم أو الماعز، يُملَّح ويُصفّى ويُجفَّف كراتٍ شاحبةً صلبة تبقى مدّةً طويلةً جدًّا بلا تبريد، ثمّ تُفتَّت وتُعاد إلى الماء لتصير مرقًا. والاسمُ من الجذور العربيّ للجمود، وهي تسميةٌ مباشرةٌ إلى أبعد حدّ. إنّها تقنيّةٌ لتحويل فائض حليب الربيع إلى طعامٍ تحمله إلى موسمٍ لا حليب فيه.

وتنبيهٌ واحدٌ على الحكايات. فالروايةُ القائلة إنّ الفلّاحين البلغار عمّروا أعمارًا خارقةً على اللبن، وهي منبع سمعة اللبن الصحّيّة الحديثة كلّها، بُنِيت على سجلّاتِ ولاداتٍ لا تحتملها. فمتوسّطُ العمر المتوقّع في بلغاريا نحو سنة ١٩٠٠ كان قريبًا من الأربعين. أمّا البكتيريا نفسها فأوّلُ من عزلها ستامن غريغوروف سنة ١٩٠٥؛ وإيليا متشنيكوف، الذي روّج نظريّة طول العمر، لم يكتشفها، وجائزةُ نوبل التي نالها كانت في المناعة ولا صلة لها باللبن. الكيمياءُ أعلاه متينة. أمّا الأسطورةُ الملحقة بها فلا.

المصادر

كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.

  1. ١.

    Evershed RP, Payne S, Sherratt AG, et al. Earliest date for milk use in the Near East and southeastern Europe linked to cattle herding. Nature. 2008;455:528-531.

    https://doi.org/10.1038/nature07180
  2. ٢.

    Salque M, Bogucki PI, Pyzel J, et al. Earliest evidence for cheese making in the sixth millennium BC in northern Europe. Nature. 2013;493:522-525.

    https://doi.org/10.1038/nature11698
  3. ٣.

    Bersaglieri T, Sabeti PC, Patterson N, et al. Genetic signatures of strong recent positive selection at the lactase gene. American Journal of Human Genetics. 2004;74(6):1111-1120.

    https://doi.org/10.1086/421051
  4. ٤.

    Tishkoff SA, Reed FA, Ranciaro A, et al. Convergent adaptation of human lactase persistence in Africa and Europe. Nature Genetics. 2007;39:31-40.

    https://doi.org/10.1038/ng1946
  5. ٥.

    Evershed RP, Davey Smith G, Roffet-Salque M, et al. Dairying, diseases and the evolution of lactase persistence in Europe. Nature. 2022;608:336-345.

    https://doi.org/10.1038/s41586-022-05010-7
  6. ٦.

    Marteau P, Flourié B, Pochart P, et al. Effect of the microbial lactase activity in yoghurt on the intestinal absorption of lactose: an in vivo study in lactase-deficient humans. British Journal of Nutrition. 1990;64(1):71-79.

    https://doi.org/10.1079/BJN19900010
  7. ٧.

    Savaiano DA. Lactose digestion from yogurt: mechanism and relevance. American Journal of Clinical Nutrition. 2014;99(5 Suppl):1251S-1255S.

    https://doi.org/10.3945/ajcn.113.073023
  8. ٨.

    EFSA Panel on Dietetic Products, Nutrition and Allergies. Scientific Opinion on the substantiation of health claims related to live yoghurt cultures and improved lactose digestion (ID 1143, 2976). EFSA Journal. 2010;8(10):1763.

    https://doi.org/10.2903/j.efsa.2010.1763