لِحاءان، واسمٌ واحد، وفرقٌ واحدٌ حقيقيّ
أكثرُ ما يُباع في العالم قرفةً ليس قرفة. وهذا في العادة تمييزٌ لأهل التدقيق. أمّا حين يتعلّق الأمر بالكومارين فهو تمييزٌ قابلٌ للقياس، والأرقامُ أصغرُ ممّا تظنّ.

كان هيرودوت يعرف من أين تأتي القرفة، بمعنى أنّ أحدهم أخبره بشيءٍ فدوّنه. طيورٌ ضخمة، كما يروي، تحمل العيدان اليابسة إلى أعشاشٍ من طينٍ ملتصقةٍ عاليًا على جروفٍ لا يقوى أحدٌ على تسلّقها. فيقطّع العربُ ما مات من البقر والحمير قطعًا كبيرة ويتركونها في الأسفل. فتحمل الطيورُ اللحم إلى أعشاشها، فتنكسر الأعشاشُ تحت الثقل، وتسقط القرفةُ إلى الأرض حيث تُجمَع. ١
وهو ليس ساذجًا بقدر ما هو مبيعٌ عليه شيء. فتلك الحكاية تقع في سلسلة: أفاعٍ مجنّحةٌ تحرس أشجار اللبان، ثمّ كائناتٌ شبيهةٌ بالخفافيش تحرس السليخة في بحيرةٍ ضحلة، ثمّ طيورُ القرفة. والحرّاسُ يتصاعدون كلّما ازداد بُعدُ المنبت المزعوم. وهكذا تبدو سلسلةُ توريدٍ حين يكون لكلّ وسيطٍ بين سريلانكا وبحر إيجة مصلحةٌ في ألّا تعثر على المصدر أبدًا. بل إنّ هيرودوت نفسه يذكر أنّ الكلمة اليونانيّة جاءت من الفينيقيّين، وهو اعترافٌ هادئٌ بأنّ البهار وصل ملفوفًا سلفًا في حكاية غيره.
اللِّحاءُ الذي هو قرفةٌ فعلًا
ثمّة أربعةُ أنواعٍ ذات أهمّيّةٍ تجاريّة. فـCinnamomum verum، من سريلانكا، هي القرفة الحقيقيّة أو السيلانيّة. والثلاثةُ الباقية سليخة: C. cassia من الصين، وC. burmannii من إندونيسيا، وC. loureiroi من فيتنام. ٢ وفي أكثر بلاد العالم، ومنها الولايات المتّحدة كلّها تقريبًا، فالذي يُباع باسم القرفة هو السليخة.
ويمكنك التمييزُ بينهما بيدك. فالقرفةُ السيلانيّة تُصنَع من اللحاء الداخليّ الرقيق وحده، وتُلَفّ طبقاتٌ كثيرةٌ في رقّة الورق لتصير عودًا واحدًا، فيكون خفيفًا هشًّا يتفتّت تحت الظفر. أمّا السليخةُ فتستعمل سماكة اللحاء كلّها، ملفوفةً من جهةٍ واحدةٍ في أنبوبٍ صلبٍ سماكته مليمتران أو ثلاثة، ولذلك تُحسّ أعوادُ السليخة كالخشب وتقاوم المطحنة. وما إن تُطحَن حتى يضيع كلُّ ذلك.
والكيمياءُ تفصل بينهما أنظفَ ممّا تفعل العين. فالسيناميك ألدهيد، C₉H₈O، يهيمن على زيت لحاء الاثنين معًا وهو الرائحةُ التي يقصدها الجميع بكلمة قرفة. أمّا الافتراقُ فيقع في مكانٍ آخر: القرفةُ الحقيقيّة تحمل الأوجينول وبنزوات البنزيل، ولا تحمل كومارينًا يُذكَر. والسليخةُ تحمل أوجينولًا قليلًا، وكومارينًا كثيرًا جدًّا.
وكم هو الكثير
هنا يكفّ الفرقُ عن كونه ملاحظةَ ذوّاقة. فقد جمع المعهدُ الاتّحاديّ الألمانيّ لتقييم المخاطر القياسات. ففي إحدى المقارنات التحليليّة جاءت القرفةُ السيلانيّة من غير محسوسٍ إلى نحو ١٩٠ ملّيغرام كومارين لكلّ كيلوغرام، بينما جاءت عيّناتُ السليخة من ٧٠٠ إلى ١٢٢٠٠. أمّا الرقابةُ الرسميّة الألمانيّة على مسحوق القرفة، وهو سليخةٌ كلّه عمليًّا، فوجدت ٢٣٠٠ إلى ٣٣٠٠ ملّيغرام لكلّ كيلوغرام. ٣ ومسحٌ مستقلٌّ لستّين عيّنةً من أسواق التجزئة التشيكيّة وجد متوسّطاتٍ بين ٢٦٥٠ و٧٠١٧ ملّيغرامًا لكلّ كيلوغرام، بينما عادت عيّنةُ ضبطٍ سيلانيّةٌ مستوردةٌ رأسًا من مزرعةٍ سريلانكيّة خاليةً من الكومارين عمليًّا. ٥
والكومارينُ مهمٌّ لأنّه سامٌّ للكبد عند أقلّيّةٍ قابلةٍ للتأثّر. وقد حدّدت الهيئةُ الأوروبيّة لسلامة الأغذية مأخوذًا يوميًّا محتمَلًا قدره ٠٫١ ملّيغرام لكلّ كيلوغرام من وزن الجسم يوميًّا، مشتقًّا من مستوى عدم ملاحظة أثرٍ ضارٍّ قدره ١٠ ملّيغرامات لكلّ كيلوغرام في دراسةٍ مزمنةٍ على الكلاب، مقسومًا على معامل عدم يقينٍ مقداره مئة. ٤
وأجرِ الحساب تجده صغيرًا على نحوٍ مقلق. فبالغٌ وزنه ستّون كيلوغرامًا له بدلٌ يوميٌّ قدره ستّة ملّيغرامات من الكومارين. وعند نحو ثلاثة ملّيغرامات لكلّ غرام، وهو ما قيس في سليخة السوق، يُستنفَد ذلك البدل بنحو غرامين من القرفة. وملعقةٌ صغيرةٌ مستويةٌ من القرفة المطحونة نحو ٢٫٦ غرام. فالبالغُ إذن يبلغ المأخوذ اليوميّ المحتمَل عند أقلّ من ملعقةٍ صغيرةٍ من السليخة العاديّة، والطفلُ الذي يزن خمسة عشر كيلوغرامًا يبلغه عند نحو نصف غرام، أي خُمس ملعقةٍ صغيرة. ٣
بشيءٍ من التناسب، رجاءً
أمران صحيحان معًا ويجب أن يُقالا معًا. فقد راجع المعهدُ الألمانيّ السجلَّ السريريّ البشريّ للكومارين الدوائيّ فوجد أنّ أذى الكبد يقع عند أقلّيّةٍ ذات تفاعلٍ خاصّ لا بالتناسب عند الجميع، نحو ستّة بالمئة في إحدى التجارب المضبوطة بدواءٍ وهميّ، وأنّه قابلٌ للارتداد عمومًا عند التوقّف. ولاحظ كذلك أنّه لا حالات واضحة لتلف الكبد تُعزى إلى القرفة الغذائيّة العاديّة تمييزًا لها عن الكومارين بجرعاتٍ دوائيّة. ٣
فهذا إذن ليس سببًا للخوف من كعكة قرفة. إنّه سببٌ للنظر مليًّا في الفئة الوحيدة المعرَّضة فعلًا: من يتناولون السليخة في كبسولاتٍ يوميًّا شهورًا، عادةً لضبط سكّر الدم. فعند الجرعات المستعملة في بعض تجارب السكّريّ المبكّرة، حتى ستّة غراماتٍ يوميًّا، يبلغ مأخوذُ الكومارين نحو ثلاثة أمثال المحتمَل للبالغ، قبل حساب أيّ شيءٍ آخر في الطعام. وهو ما يثير السؤال البديهيّ: هل الشيءُ الذي تُخاطر من أجله حقيقيّ؟
مسألةُ سكّر الدم، بصدق
خلصت مراجعةُ كوكرين عن القرفة والسكّريّ، وقد شملت عشر تجارب معشّاة و٥٧٧ مشاركًا، إلى أنّ الأدلّة غير كافيةٍ لدعم استعمالها في السكّريّ من النوع الأوّل أو الثاني، ولم تجد أثرًا يُعتدّ به في الخِضاب السكّريّ أو الأنسولين أو سكّر ما بعد الطعام. ٦ وكانت تحليلاتٌ بَعديّةٌ لاحقةٌ أرحمَ بادّعاءٍ أضيق: فتحليلٌ سنة ٢٠١٩ لستّ عشرة تجربةً وجد انخفاضًا معتدًّا به في سكّر الدم الصائم ومقاومة الأنسولين، ولا أثرَ يُعتدّ به في الخِضاب السكّريّ ولا في الدهون. ٧
والخِضابُ السكّريّ هو المؤشّر الذي يعكس ضبط السكّر على مدى شهور، وهو الذي يهمّ سريريًّا. فارتفاعٌ أو انخفاضٌ عابرٌ في السكّر الصائم لا يظهر أبدًا في الخِضاب السكّريّ إشارةٌ لا علاج. والتجاربُ صغيرةٌ قصيرةٌ متباينة، وكثيرًا ما لا تُحدّد أصلًا أيَّ نوعٍ من القرفة استُعمِل، وهو أمرٌ لافتٌ بالنظر إلى أنّ النوعين يفترقان بمراتبَ في المركّب الأرجح أن يسبّب ضررًا.
والخلاصةُ العمليّة غير مثيرة. إن كانت القرفةُ رشّةً في قهوتك أو عودًا في قِدر أرزّ فلا شيء ممّا سبق يخصّك. وإن كنت تتناولها يوميًّا مكمّلًا فاشترِ السيلانيّة، وهي أغلى وتتفتّت بين أصابعك، واعلم أنّك تدفع مقابل فائدةٍ لم تُثبِتها الأدلّةُ بعد إثباتًا مقنعًا.
وثمّة تناظرٌ جميلٌ في الانتهاء إلى هنا. فثلاثُ قوًى أوروبيّةٍ تعاقبت على سريلانكا، وصل البرتغاليّون سنة ١٥٠٥ وأمسكوا بسهول القرفة حتى أخرجهم الهولنديّون سنة ١٦٥٨، وأمسك بها هؤلاء بدورهم حتى وصل البريطانيّون سنة ١٧٩٦. ٨ كلُّ ذلك من أجل لِحاءٍ تبيّن أنّ أهمّ حقائقه الحديثة جزيءٌ ما كان لأيٍّ منهم أن يكشفه.
المصادر
كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.
- ١.
Herodotus, Histories, Book 3, chapter 111, on the collection of cinnamon in Arabia. G. C. Macaulay translation.
https://lexundria.com/hdt/3.111/mcly - ٢.
Chen P, Sun J, Ford P. Differentiation of the four major species of cinnamons (C. burmannii, C. verum, C. cassia, and C. loureiroi) using a flow injection mass spectrometric fingerprinting method. Journal of Agricultural and Food Chemistry. 2014;62(12):2516-2521.
https://doi.org/10.1021/jf405580c - ٣.
German Federal Institute for Risk Assessment (BfR). Consumers who eat a lot of cinnamon currently have an overly high exposure to coumarin. BfR Health Assessment No. 043/2006, 16 June 2006.
https://www.bfr.bund.de/cm/349/consumers_who_eat_a_lot_of_cinnamon_currently_have_an_overly_high_exposure_to_coumarin.pdf - ٤.
EFSA Panel on Food Additives, Flavourings, Processing Aids and Materials in Contact with Food (AFC). Opinion on coumarin, adopted 6 October 2004. EFSA Journal. 2004;2(12):104.
https://doi.org/10.2903/j.efsa.2004.104 - ٥.
Blahová J, Svobodová Z. Assessment of coumarin levels in ground cinnamon available in the Czech retail market. The Scientific World Journal. 2012;2012:263851.
https://doi.org/10.1100/2012/263851 - ٦.
Leach MJ, Kumar S. Cinnamon for diabetes mellitus. Cochrane Database of Systematic Reviews. 2012;(9):CD007170.
https://doi.org/10.1002/14651858.CD007170.pub2 - ٧.
Deyno S, Eneyew K, Seyfe S, et al. Efficacy and safety of cinnamon in type 2 diabetes mellitus and pre-diabetes patients: a meta-analysis and meta-regression. Diabetes Research and Clinical Practice. 2019;156:107815.
https://doi.org/10.1016/j.diabres.2019.107815 - ٨.
Encyclopaedia Britannica. Sri Lanka: The Portuguese in Sri Lanka, 1505-1658.
https://www.britannica.com/place/Sri-Lanka/The-Portuguese-in-Sri-Lanka-1505-1658