الرائحة التي تحسبها في فمك
أمسك أنفك، وعُضّ فراولة، فتذهب الفراولة. ويبقى شيءٌ حلو وقليل حموضة، وهذا كلّ ما كان لسانك يسهم به أصلًا. أمّا الباقي فرائحةٌ تصل أنفك من داخل فمك. والرقم الشهير المرتبط بهذا، أنّ ٨٠ بالمئة من المذاق رائحةٌ في الحقيقة، يتبيّن أنّه ينحدر من ستّة أشخاص تذوّقوا إسترًا واحدًا في ماءٍ محلّى سنة ١٩٧٧.

المحتويات
أمسك أنفك وأغلقه ثمّ عُضّ فراولة. امضغها كما ينبغي ومنخراك مغلقان، وانتبه إلى ما ينجو. حلاوة، وشيءٌ من الحموضة، وبلل، وبرودة، وبعض البذور. والذي ذهب هو الفراولة. ثمّ أطلق أنفك، وبينما اللبّ لا يزال في فمك، تعود الثمرة كلّها دفعةً واحدة.
ولم يتغيّر شيءٌ في فمك أثناء تلك التجربة. فالمستقبِلات التي تنتج «الفراولة» تقع في رقعةٍ من النسيج عاليًا في تجويف أنفك، خلف قصبة الأنف، والجزيئات الطيّارة تبلغها من داخل فمك، صاعدةً إلى الوراء عبر الممرّ خلف الحنك اللّيّن. وهذا الشمّ من الفم إلى الخارج يُسمّى الشمّ الخلفيّ، وهو يقوم بمعظم العمل الذي كنت تنسبه إلى لسانك.
في الفم وهناك بعيدًا
والذي بنى الحجّة على أنّ هاتين حاسّتان مختلفتان هو بول روزين سنة ١٩٨٢. لاحظ أنّ الجزيء الواحد قد يكون شيئًا حين يُشَمّ وشيئًا آخر حين يُؤكل، وأنّ الناس يعاملون الأمرين كأن لا صلة بينهما. جبنة الليمبرغر رائحتها مشكلة ومذاقها جبنة. ١ وهو متحفّظ في وصف أدلّته على نحوٍ لا يُقلَّد دائمًا: نُشرت المادّة تحت باب «ملاحظات وتعليق» في المجلّة، وهو يسمّي تجربته دراسةً أوّليّة.
وتلك التجربة لا تزال جيّدة. أعطى الناس اثنتي عشرة مادّةً ليتعرّفوا إليها، مرّةً بالفم ومرّةً بالأنف، فأصابوا ٦٫٧ من اثنتي عشرة بالتذوّق مقابل ١٠٫١ من اثنتي عشرة بالشمّ. ١ وتفصيلٌ أعجبني بما يكفي لأتحقّق منه: لا يستعمل روزين كلمة «أماميّ أنفيّ» ولا «خلفيّ أنفيّ» في الورقة كلّها. يقول «في الفم» و«هناك بعيدًا»، وينسب التمييز بين حواسّ التماسّ وحواسّ المسافة إلى ثيوفراستوس.
والمسار يغيّر الإدراك فعلًا، وثمّة تصويرٌ دماغيّ يطابق ذلك. فتقديم المادّة العطريّة نفسها عبر المنخرين وعبر الفم أنتج أنماط تنشيطٍ مختلفة، لكن لبعض المواد فقط: ظهر الفرق مع الشوكولاتة ولم يظهر مع الخزامى ولا البيوتانول ولا الفارنيسول. ٢ وخلاصة الورقة نفسها أنّ أثر المسار يتوقّف على ما إذا كانت المادّة تمثّل طعامًا، وهذا ادّعاءٌ أضيق وأطرف ممّا يُنقل عادةً.
هناك بوّابة
والممرّ من الفم إلى الأنف ليس مفتوحًا ببساطة. فالحنك اللّيّن ينطبق على مؤخّرة الحلق ثمّ يُفرج، وقد شوهد هذا الانطباق مباشرةً: بالتنظير الفلوريّ بالفيديو وبالرنين المغناطيسيّ اللحظيّ، أثناء بلعٍ حقيقيّ. ٣
والنتيجة أنّ العطر يصل أنفك في نبضاتٍ لا في تيّارٍ متّصل، ويتحرّر أثناء المضغ وعند لحظة البلع معًا. والناس يختلفون. فبعضهم يمضغ والحنك مفتوح وبعضهم يمضغ وهو مغلق، ما يعني أنّ شخصين يأكلان اللقمة نفسها لا يتلقّيان الوجبة نفسها. ٤
وكنت أودّ أن أعطيك رقمًا هنا، لمقدار العطر الذي يركب بلعةً واحدة. فتقنية القياس موجودة وراسخة، لكنّي لم أجد منحنى زمنٍ منشورًا ولا تركيزًا لتحرّر العطر في النفَس أستطيع قراءته والاقتباس منه، فلا رقم في هذه الفقرة. وينطبق الأمر نفسه على الفكرة البديهيّة بأنّ الطعام الدافئ يطلق موادّ طيّارة أكثر من البارد. الأرجح أنّها صحيحة، ولم أجد دراسةً عن حرارة التقديم أستشهد بها، فتبقى خارج النصّ.
أفضل من الخلف، وأسوأ
كنت أفترض قبل البحث أنّ المسار الخلفيّ هو الأضعف. والأمر على العكس. فبقياس عتبات الكشف لستّةٍ وعشرين مركّبًا عطريًّا في جعةٍ نموذجيّة خالية من الكحول، كانت العتبات الخلفيّة أدنى عمومًا من الأماميّة. ٥ فالأنف من الخلف أشدّ حساسيّةً إن كان ثمّة فرق.
أمّا الأسوأ خلفيًّا فهو التعرّف. فحين طُلب من الناس تسمية موادّ مألوفة، بلغوا نحو ٨٠ بالمئة خلفيًّا مقابل ما يقارب ١٠٠ بالمئة بالشمّ المباشر، ويعزو المؤلّفون الفجوة إلى «فارقٍ في كفاءة إيصال المواد العطريّة عادةً إلى المخاطيّة الشمّيّة». ٦ مشكلة سباكةٍ لا مشكلة مستقبِلات، والفجوة تضيق متى دُرّب الناس على تقنيّة تنفّسٍ خلفيّة. أنفك قادر. فمك سيّئٌ في إرسال الرسالة.
لماذا تحسّه في فمك
وهنا الجزء الغريب، والجزء الذي يقوم عليه اللبس كلّه. المستقبِلات في أنفك. والإحساس في فمك. ولا تعي أنّك تشمّ شيئًا وأنت تأكل؛ بل تختبر نكهةً موضعها لسانك تمامًا، وتحلف على ذلك.
وكان التفسير المعتمد عقودًا هو اللمس. والفكرة، التي كانت لا تزال تُنقل باستحسانٍ سنة ٢٠٠٥، أنّ مزيج المذاق الحقيقيّ والشمّ الخلفيّ يُوطَّن في الفم بفعل الإحساس اللمسيّ بوجود شيءٍ هناك. ١٢ وهي فرضيّة جيّدة. وقد اقترح روزين صيغةً منها. واختُبرت سنة ٢٠١١ فسقطت.
فوضع ماءٍ صرف في الفم، وهو يوفّر اللمس ولا شيء غيره، لم يجذب الرائحة إلى الفم: «التنبيه اللمسيّ وحده غير كافٍ». ٧ والذي نجح كان مذاقًا، وتحديدًا مذاقًا ينتمي إلى تلك الرائحة. فالسكّروز استحوذ على عطر الفانيليا. والملح استحوذ على صلصة الصويا. وتقول الورقة التالية ذلك صراحةً: «خلافًا للتكهّن السابق، كان المذاق لا اللمس هو العامل الأوّل». ٨
فالآليّة إذن هي التوافق. يكشف لسانك شيئًا حلوًا في اللحظة نفسها التي يكشف فيها أنفك شيئًا لطالما وصل مع الحلاوة، فيصنّفهما الدماغ شيئًا واحدًا موضعه حيث الحلاوة. والجذب يسير في اتّجاهٍ واحد غالبًا: فإضافة السكّر تعزّز شدّة الرائحة المتوافقة أكثر ممّا تعزّز الرائحةُ الحلاوةَ. ٩
وثمّة دليلٌ عصبيّ على أنّ هذا حقيقيّ لا مجرّد أسلوب كلام. ففي الجرذان، يؤدّي إسكات الجزء الذوقيّ من القشرة المعزوليّة ضوئيًّا إلى إلغاء إدراك الرائحة الخلفيّة مع إبقاء الإدراك الأماميّ سليمًا. ١٠ وذلك جرذٌ تحت ليزر، ولا ينبغي وصفه بغير ذلك. أمّا عند البشر فالنسخة الأليَن: المذاقات والروائح الخلفيّة تستدعي نمطًا مشتركًا خاصًّا بالنكهة في القشرة المعزوليّة. ١١ فالقشرة الذوقيّة هي حيث تحدث «الرائحة التي في فمك».
أكثر رقمٍ يُقتبس في الكتابة عن الطعام
وقد صادفت رقمًا مرتبطًا بهذا كلّه. ثمانون بالمئة من المذاق رائحةٌ في الحقيقة. وربّما صادفته خمسةً وسبعين، أو تسعين، أو خمسةً وتسعين. وهو على العبوات، وفي تدريب الطهاة، وفي دورات النبيذ، وفي قدرٍ كبير من الصحافة العلميّة المتأنّية في غير ذلك.
وفي سنة ٢٠١٥ ذهب تشارلز سبنس يبحث عن مصدره. وجملته الافتتاحيّة هي شكل المشكلة: «من أكثر الادّعاءات شيوعًا في أدبيّات علوم الغذاء، وكذلك في المقالات الصحفيّة عن الطعام والنكهة، أنّ ما بين ٧٥ و٩٥ بالمئة ممّا نحسبه مذاقًا ينتج في الحقيقة عن تنبيه مستقبِلات الشمّ في الأنف». ١٢
ثمّ جمع الادّعاء كما يدور فعلًا، مرتّبًا زمنيًّا، والانزياح هو الدليل. كتابٌ من سنة ١٩٨٩: نحو ١٠ بالمئة فقط ممّا نحسبه مذاقًا هو مذاقٌ فعلًا. ومقابلة صحفيّة سنة ١٩٩٠: ما يصل إلى ٨٠ بالمئة. واقتباسٌ سنة ٢٠٠٣: تسعون بالمئة. ومقابلة سنة ٢٠١٤: خمسة وتسعون بالمئة. ١٢ وكتابٌ شائع واحد يورد رقمين متناقضين تفصل بينهما سبعٌ وعشرون صفحة، إذ يقول في صفحة ٢٩ إنّ ٥ بالمئة فقط من تجربة الأكل مذاق، ويقول في صفحة ٥٦ إنّ ما بين ٧٥ و٩٥ بالمئة ممّا نتذوّقه رائحة. ١٢
ولا أحد منهم يستشهد بشيء. يقول سبنس: «للأسف، لا يشير أيٌّ من هذه الاقتباسات إلى مقالٍ مصدريّ بعينه يسند ما تدّعيه، ممّا يجعل إجراء بحثٍ في سلسلة الاستشهادات صعبًا إن لم يكن مستحيلًا». ١٢
وثمّة سلفٌ مرشّح واحدٌ فقط. ففي سنة ١٩٧٧ نشر مورفي وكين وبارتوشوك ورقةً قصيرة بعنوان «الفعل المتبادل بين المذاق والشمّ» في مجلّةٍ اسمها Sensory Processes، لم تعد موجودة ولم تصدر معرّفات DOI قطّ. ١٣ والجملة التي ينحدر منها كلّ شيء تقول: «المذاق المنسوب إلى إستر البوتيرات الإيثيليّ لم يكن ناتجًا حصرًا عن فعله في التذوّق، إذ إنّه حين أُغلق المنخران اختفى ما يصل إلى ٨٠ بالمئة من «المذاق»». ١٢
ستّة متذوّقين مدرَّبين. ومادّة عطريّة واحدة، إستر البوتيرات الإيثيليّ، وهو إسترٌ فاكهيّ واحد. مذابًا في سكّارين الصوديوم. تلك هي القاعدة التجريبيّة كلّها لأكثر ادّعاءٍ كمّيّ تكرارًا في الكتابة عن الطعام، وهي ليست ادّعاءً عن الطعام أصلًا.
ويزداد الأمر هزالًا عند الفحص. يشير سبنس إلى أنّ إستر البوتيرات الإيثيليّ مادّةٌ حلوة الرائحة على نحوٍ خاصّ، ما يرجّح الاقتران لصالح الأثر، وإلى أنّ دراسة ١٩٧٧ «ربّما انطوت فعلًا على إسهاماتٍ من العطر الأماميّ والخلفيّ معًا»، فهي لا تعزل حتّى المسار الذي تسمّيه الصيغة الحديثة من الادّعاء. ١٢ وحكمه على المسعى كلّه: «يكاد يكون بلا معنى أن نحاول وضع قيمةٍ دقيقة، أو حتّى مدًى ضيّق من القيم، لإسهام الإشارات الشمّيّة النسبيّ في إدراك النكهة متعدّد الحواسّ». ١٢
تسعون بالمئة من القيادة بصريّة
ويشير سبنس إلى سابقة، وهي أفضل ما في ورقته. ففي سنة ١٩٩٦ أجرى مايكل سيفاك العمل الجنائيّ نفسه على ادّعاءٍ من حقلٍ مختلف تمامًا، وهو أنّ ٩٠ بالمئة من المعلومات المتّصلة بالقيادة بصريّة، فوجد بنيةً مطابقة: «لا يقدّم أيٌّ من المنشورات التي تتضمّن ادّعاءاتٍ مثل «٩٠ بالمئة من معلومات القيادة بصريّة» أيّ دليلٍ مساند. وأمّا المنشورات التي تستشهد بمنشوراتٍ أخرى إسنادًا لهذه الادّعاءات فالنتيجة فيها واحدة: المنشورات الأخيرة في شجرة الاستشهادات لا تقدّم دليلًا مساندًا». ١٤
«حين يستحضر كاتبٌ دقّة الأرقام وقوّتها، يُقاد الجمهور إلى الاعتقاد بأنّ عملًا تجريبيًّا متأنّيًا قد أُنجز لاشتقاق القيم المعروضة.»
وجوهر ما يقوله سيفاك أنّ المسألة «ليست هل النسبة الصحيحة ٩٠ أم ربّما ٩٢ أو ٨٨، بل هل هي قريبة من ٩٠ أصلًا، مقابل أن تكون قريبة من ٥٠ مثلًا». ١٤ فالرقم الملفَّق يضرّ أكثر من غياب الرقم، لأنّه يستعير سلطة القياس دون أن يقيس شيئًا.
وثمّة أسبابٌ تجعل الرقم مستحيلًا من حيث المبدأ. فلا أحد متّفقٌ على أيّ الحواسّ مكوّنٌ للنكهة وأيّها مجرّد معدِّل لها. والجواب سيتغيّر بحسب الطعام على أيّ حال، وسبنس يقولها أفضل ممّا أقولها: «يبدو أنّ إسهام الشمّ في السوشي، مثلًا، أقلّ بكثير من إسهامه في استمتاعنا بجبنةٍ فرنسيّة ناضجة». والمسار الأماميّ والخلفيّ حاسّتان مختلفتان والدراسة المؤسِّسة خلطت بينهما. وكلمة «مذاق» تعني شيئًا عند المختصّ وشيئًا آخر عند سائر الناس. ١٢
ولا شيء من ذلك يعني أنّ الرائحة لا تهمّ، وينبغي أن يتوقّف التفريغ قبل ذلك بكثير. فصيغة سبنس المفضّلة للاستبدال، مستعارةً من يومانز، هي ببساطة أنّ «المنبّهات الشمّيّة تسهم بنسبةٍ معتبرة من تجربة النكهات في معظم الأطعمة». ١٢ فالفراولة لا تزال تختفي حين تمسك أنفك. والذي ذهب هو الفاصلة العشريّة.
أحصِ المستقبِلات بدلًا من ذلك
وإن أردت حجّةً على حجم الأمر، فأحصِ العتاد بدل اقتباس نسبةٍ مئويّة. تقاسم ريتشارد أكسل وليندا باك جائزة نوبل في الطبّ سنة ٢٠٠٤ على كشف عائلة مستقبِلات المواد العطريّة. ١٥ ويحمل الجينوم البشريّ ٣٣٩ جينًا سليمًا لمستقبِلات الشمّ، إضافةً إلى ٢٩٧ جينًا زائفًا. ١٦
قابل ذلك باللسان. تمرّ المرارة عبر نحو ٢٥ مستقبِلًا، وهي خشنة عن قصد: فبفحصها في مواجهة ١٠٤ مركّباتٍ مرّة، غطّت ثلاثة مستقبِلاتٍ بينها نحو النصف. ١٧ وتمرّ الحلاوة عبر واحدٍ بالضبط، ثنائيّ متغاير من T1R2 وT1R3، و«جميع المركّبات الحلوة المذاق» تمرّ منه. ١٨ ويمرّ الأومامي عبر واحدٍ آخر، T1R1 مقترنًا بـT1R3 نفسه، موالَفًا بعرضٍ يشمل معظم الأحماض الأمينيّة العشرين المعياريّة. ١٩
ثلاثمئة وتسعة وثلاثون مقابل نحو ثمانيةٍ وعشرين. ذلك هو السبب الحقيقيّ في أنّ للفراولة اسمًا وليس للحلاوة اسم: فالتذوّق حفنة قنواتٍ عريضة تبلّغ عن فئات، والشمّ شيفرةٌ توفيقيّة بمئات الأبعاد. والنكهة هما معًا، مربوطين باللمس والحرارة في إدراكٍ واحد يبدو حاسّةً واحدة وليس كذلك. ٢٠
ويستحقّ نصف الجينات الزائفة حاشية، لأنّ الرواية الأنيقة عن فقدان البشر نصف جينومهم الشمّيّ قيد المراجعة. فنحو ٦٠ بالمئة من الجينات الشمّيّة الزائفة عند الإنسان تُنسَخ فعلًا في الظهارة الشمّيّة، بمستوياتٍ أدنى من السليمة لكن قابلة للكشف. ٢١ وقد تبيّن أنّ وصف الجين بأنّه زائف أقلّ نهائيّةً ممّا بدا.
خرافة من سنة ١٨٧٩
وما دمنا نفرّغ الأشياء، فالاعتقاد بأنّ البشر رديئو الشمّ غير مسنَد أيضًا، وأصله أغرب من الاعتقاد نفسه. تتبّعه جون مكغان سنة ٢٠١٧ إلى التشريحيّ بول بروكا، الذي قسّم الثدييّات سنة ١٨٧٩ إلى حيواناتٍ «شمّيّة» يقودها الشمّ وأخرى «لاشمّيّة» لا يقودها. ووُضع البشر في المجموعة الثانية. ٢٢
ولم يكن سبب بروكا في وضعنا هناك متعلّقًا بالأنوف البتّة. يقول مكغان: «إنّ التصنيف الأوّليّ للبشر بوصفهم «لاشمّيّين» لم يكن إذن متعلّقًا أساسًا بقدراتنا الشمّيّة بل بقدرتنا على أن نختار بوعي استجابتنا للمنبّهات الشمّيّة التي نصادفها». ٢٢ كان ادّعاءً عن حرّيّة الإرادة.
والسياق سياسةٌ دينيّة فرنسيّة. فقد كانت الكنيسة الكاثوليكيّة تقاوم علمنة الطبّ الفرنسيّ وأدانت كلّيّة الطبّ في باريس بتدريس «الإلحاد والمادّيّة»، وسمّى الأساقفة بروكا في مجلس الشيوخ. ٢٢ وكلمة «ضئيل الشمّ» ليست لبروكا أصلًا بالمناسبة. فقد صاغها ويليام تيرنر سنة ١٨٩٠، مقسّمًا فئة بروكا دون أن ينتبه إلى أنّ التصنيف الأصليّ لم يقم قطّ على أيّ دراسةٍ للقدرة الحسّيّة. ٢٢
وبالقياس بدل الافتراض، يبلي البشر بلاءً حسنًا، والصورة مادّةً بمادّة لا على العموم. ففي اختبارٍ في مواجهة الفئران وقرود العنكبوت على ستّة مركّباتٍ كبريتيّة، كان البشر أشدّ حساسيّةً بثلاث مراتب عشريّة من كليهما لواحدٍ منها، إذ تفوّق كلّ شخصٍ على كلّ حيوان، وكانوا أسوأ من كلّ فأرٍ اختُبر في مركّبٍ آخر. وعلى المركّبات الستّة، كان البشر الأشدّ حساسيّةً لاثنين والفئران لأربعة. ٢٣ والظهارة الشمّيّة البشريّة، عند نحو ٥٫٠ سنتيمترات مربّعة، تقع بين الفأر عند ١٫٤ والجرذ عند ٦٫٩. ٢٢
ويضع مكغان الحاجز بنفسه، ويستحقّ التكرار لأنّ ورقته تُستعمل للاحتجاج بما هو أكثر بكثير ممّا تقوله: «قليلٌ من هذه المقارنات يملك إسنادًا تجريبيًّا فعليًّا». ٢٢ وللسبب نفسه أترك خارج النصّ الادّعاء الشائع بأنّ البشر يميّزون تريليون رائحة. فقد فكّكت ورقتان الإحصاء، خلصت إحداهما إلى «هذا الادّعاء خاطئ» وخلصت الأخرى إلى أنّ المعادلة المستعملة تعطي حدًّا أعلى لا حدًّا أدنى كما ذُكر، ومن ثمّ «لا دليل على الادّعاء الأصليّ». ٢٤ ٢٥ واستبدال رقمٍ رديء برقمٍ رديء أكبر ليس تقدّمًا.
العيادة كانت تعرف
وأقوى دليلٍ على أنّ الناس لا يميّزون المذاق من الرائحة هو أنّ المرضى لا يميّزون، وقد أجرت الجائحة التجربة على نطاقٍ واسع. ففي دراسةٍ مستقبليّة، خضع ٩٣ مصابًا بكوفيد-١٩ لاختباراتٍ نفسيّة فيزيائيّة فعليّة بدل الاستبيانات. قال ٥٢ بالمئة إنّ مذاقهم غير طبيعيّ. وبالقياس، كان ٨٨ بالمئة طبيعيّي التذوّق، و١٢ بالمئة ضعيفيه ضعفًا خفيفًا، ولم يفقده شخصٌ واحد تمامًا. وفي المقابل كان ٣٠ بالمئة ضعيفي الشمّ و٢٤ بالمئة فاقديه. ٢٦
والارتباطات في تلك الدراسة هي الآليّة في سطر. فتقدير الناس لجودة مذاقهم تتبّع شمّهم المقيس، عند r = ٠٫٣٨٧ وقيمةٍ احتماليّة دون ٠٫٠٠٠٥. أمّا تذوّقهم المقيس فلم يرتبط بشيء البتّة: «لم ترتبط الدرجة الذوقيّة بالدرجة الشمّيّة ولا بالمذاق الذاتيّ ولا بتقدير الحلو والمالح». ٢٦ فحين يخبرك الناس عن حاسّة التذوّق عندهم، إنّما يخبرونك عن حاسّة الشمّ.
وبعد سنةٍ بقي النمط نفسه. فباختبار ٧٧٤ شخصًا بعد نحو ٣٩٥ يومًا من التشخيص، باختبار تذوّقٍ من ٥٣ بندًا واختبار شمٍّ من ٤٠ بندًا، لم تُميَّز درجات التذوّق إحصائيًّا بين من أصيبوا ومن لم يصابوا، عند قيمةٍ احتماليّة ٠٫٩٤، بينما بقي فقد الشمّ عند ٣٠٫٣ بالمئة مقابل ٢١٫٠ بالمئة. ويخلص المؤلّفون إلى أنّ الشكوى بعيدة المدى تعكس «فقد أحاسيس النكهة من جزيئاتٍ عطريّة تصل ظهارةً شمّيّة متضرّرة عبر البلعوم الأنفيّ» لا ضررًا في براعم التذوّق. ٢٧
وليس هذا إجماعًا ولن أتظاهر بغير ذلك. فمراجعةٌ تحليليّة سنة ٢٠٢٣ جمعت ١٣٨٬٠١٥ مريضًا فوجدت ٣٦٫٦٢ بالمئة يبلّغون عن خللٍ في التذوّق وخلصت إلى أنّ فقد المذاق «على الأرجح عرضٌ أصيل لكوفيد-١٩». ٢٨ والحجّة المضادّة منهجيّة: ٣٫٤ بالمئة فقط من تلك الدراسات استعملت اختبار تذوّقٍ تجريبيًّا، وبين الدراسات التي استعملته تراوح الانتشار المبلَّغ بين ١٢ بالمئة و١٠٠ بالمئة. ٢٧ ومدًى بهذا الاتّساع عبارةٌ عن القياس لا عن الأنوف.
والخطأ يسير في الاتّجاه الآخر أيضًا، وهذا أكثر ما أقنعني. ففي عيّنةٍ سكّانيّة من ٢٤٩١ شخصًا بين ٥٣ و٩٧ عامًا في بيفر دام بولاية ويسكونسن، بلغ ضعف الشمّ المقيس ٢٤٫٥ بالمئة بينما بلغ المبلَّغ عنه ذاتيًّا ٩٫٥ بالمئة. وبين من تجاوزوا الثمانين، التقط التبليغ الذاتيّ ١٢ بالمئة من النساء و١٨ بالمئة من الرجال ممّن لديهم عجزٌ قابل للقياس. ٢٩ فنحن نبالغ في الإبلاغ عن فقدان المذاق ونقصّر في الإبلاغ عن فقدان الشمّ، والخطآن يشيران إلى الجهة نفسها.
تسعة عشر مسبارًا وجب استبعادها
وأخيرًا نتيجةٌ واحدة، من محاولة بناء اختبارٍ سريريّ للشمّ الخلفيّ تحديدًا. جمع فريقٌ ٣٩ مسبارًا عطريًّا في صورة مسحوق، تُوضع على اللسان بحيث لا يمكن شمّها إلّا من داخل الفم، وجرّبوها على ٥١٨ شخصًا في سبعة بلدان.
«وُجدت فروقٌ ثقافيّة ذات دلالة في القدرة على التعرّف في ٩٢ بالمئة من المسابر.» ولم يستطع الأصحّاء في كلّ البلدان أن يتعرّفوا فوق مستوى الصدفة إلّا على ٢٠ منها، فصارت تلك العشرون هي الاختبار. ٣٠
تسعة عشر وجب استبعادها، لأنّ الرائحة لا تصير اسمًا إلّا إن صادفتها باكرًا بما يكفي. والعتاد واحدٌ فينا جميعًا: الرقعة نفسها من النسيج خلف قصبة الأنف، والمئات القليلة نفسها من المستقبِلات العاملة، والبوّابة اللّيّنة نفسها في مؤخّرة الحنك ترتفع حين تبلع. والذي يصعد منها هو أيّ مطبخٍ نشأت فيه. تستطيع أن تقيس العتاد في مختبر. ولم ينجح أحدٌ في بناء اختبارٍ يفترض ما سيتعرّف إليه إنسان.
المصادر
كلُّ دعوى مُرقَّمةٍ أعلاه تشيرُ إلى ما هٰهنا. والروابطُ تُفضي إلى البحث أو الوثيقة أو الجهة نفسها.
- ١.
Rozin P. "Taste-smell confusions" and the duality of the olfactory sense. Perception & Psychophysics. 1982;31(4):397-401.
https://doi.org/10.3758/BF03202667 - ٢.
Small DM, Gerber JC, Mak YE, Hummel T. Differential neural responses evoked by orthonasal versus retronasal odorant perception in humans. Neuron. 2005;47(4):593-605.
https://doi.org/10.1016/j.neuron.2005.07.022 - ٣.
Buettner A, Beer A, Hannig C, Settles M. Observation of the swallowing process by application of videofluoroscopy and real-time magnetic resonance imaging: consequences for retronasal aroma stimulation. Chemical Senses. 2001;26(9):1211-1219.
https://doi.org/10.1093/chemse/26.9.1211 - ٤.
Le Quéré J-L, Schoumacker R. Dynamic Instrumental and Sensory Methods Used to Link Aroma Release and Aroma Perception: A Review. Molecules. 2023;28(17):6308.
https://doi.org/10.3390/molecules28176308 - ٥.
Piornos JA, Delgado A, de La Burgade RCJ, et al. Orthonasal and retronasal detection thresholds of 26 aroma compounds in a model alcohol-free beer. Food Research International. 2019;123:317-326.
https://doi.org/10.1016/j.foodres.2019.04.034 - ٦.
Pierce J, Halpern BP. Orthonasal and retronasal odorant identification based upon vapor phase input from common substances. Chemical Senses. 1996;21(5):529-543.
https://doi.org/10.1093/chemse/21.5.529 - ٧.
Lim J, Johnson MB. Potential mechanisms of retronasal odor referral to the mouth. Chemical Senses. 2011;36(3):283-289.
https://doi.org/10.1093/chemse/bjq125 - ٨.
Lim J, Johnson MB. The role of congruency in retronasal odor referral to the mouth. Chemical Senses. 2012;37(6):515-522.
https://doi.org/10.1093/chemse/bjs003 - ٩.
Green BG, Nachtigal D, Hammond S, Lim J. Enhancement of retronasal odors by taste. Chemical Senses. 2012;37(1):77-86.
https://doi.org/10.1093/chemse/bjr068 - ١٠.
Blankenship ML, Grigorova M, Katz DB, Maier JX. Retronasal Odor Perception Requires Taste Cortex, but Orthonasal Does Not. Current Biology. 2019;29(1):62-69.e3.
https://doi.org/10.1016/j.cub.2018.11.011 - ١١.
Khorisantono PA, Veldhuizen MG, Seubert J. Tastes and retronasal odours evoke a shared flavour-specific neural code in the human insula. Nature Communications. 2025;16:8252.
https://doi.org/10.1038/s41467-025-63803-6 - ١٢.
Spence C. Just how much of what we taste derives from the sense of smell? Flavour. 2015;4:30.
https://doi.org/10.1186/s13411-015-0040-2 - ١٣.
Murphy C, Cain WS, Bartoshuk LM. Mutual action of taste and olfaction. Sensory Processes. 1977;1(3):204-211. PMID 887950. This journal is defunct and the paper has no DOI; it is quoted here as reproduced in Spence 2015.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/887950/ - ١٤.
Sivak M. The information that drivers use: is it indeed 90% visual? Perception. 1996;25(9):1081-1089.
https://doi.org/10.1068/p251081 - ١٥.
The Nobel Prize in Physiology or Medicine 2004, awarded jointly to Richard Axel and Linda B. Buck for their discoveries of odorant receptors and the organization of the olfactory system. The Nobel Foundation.
https://www.nobelprize.org/prizes/medicine/2004/summary/ - ١٦.
Malnic B, Godfrey PA, Buck LB. The human olfactory receptor gene family. Proceedings of the National Academy of Sciences. 2004;101(8):2584-2589.
https://doi.org/10.1073/pnas.0307882100 - ١٧.
Meyerhof W, Batram C, Kuhn C, et al. The molecular receptive ranges of human TAS2R bitter taste receptors. Chemical Senses. 2010;35(2):157-170.
https://doi.org/10.1093/chemse/bjp092 - ١٨.
Chéron J-B, Golebiowski J, Antonczak S, Fiorucci S. The anatomy of mammalian sweet taste receptors. Proteins. 2017;85(2):332-341.
https://doi.org/10.1002/prot.25228 - ١٩.
Nelson G, Chandrashekar J, Hoon MA, Feng L, Zhao G, Ryba NJP, Zuker CS. An amino-acid taste receptor. Nature. 2002;416(6877):199-202.
https://doi.org/10.1038/nature726 - ٢٠.
Small DM. Flavor is in the brain. Physiology & Behavior. 2012;107(4):540-552.
https://doi.org/10.1016/j.physbeh.2012.04.011 - ٢١.
Olender T, Keydar I, Pinto JM, et al. The human olfactory transcriptome. BMC Genomics. 2016;17:619.
https://doi.org/10.1186/s12864-016-2960-3 - ٢٢.
McGann JP. Poor human olfaction is a 19th-century myth. Science. 2017;356(6338):eaam7263. Body quotations here are from the author manuscript deposited as PMC5512720.
https://doi.org/10.1126/science.aam7263 - ٢٣.
Sarrafchi A, Odhammer AME, Hernandez Salazar LT, Laska M. Olfactory sensitivity for six predator odorants in CD-1 mice, human subjects, and spider monkeys. PLoS ONE. 2013;8(11):e80621.
https://doi.org/10.1371/journal.pone.0080621 - ٢٤.
Meister M. On the dimensionality of odor space. eLife. 2015;4:e07865.
https://doi.org/10.7554/eLife.07865 - ٢٥.
Gerkin RC, Castro JB. The number of olfactory stimuli that humans can discriminate is still unknown. eLife. 2015;4:e08127.
https://doi.org/10.7554/eLife.08127 - ٢٦.
Le Bon S-D, Payen L, Prunier L, et al. Making scents of loss of taste in COVID-19: is self-reported loss of taste due to olfactory dysfunction? A prospective study using psychophysical testing. International Forum of Allergy & Rhinology. 2021;11(10):1504-1507.
https://doi.org/10.1002/alr.22815 - ٢٨.
Hannum ME, Koch RJ, Ramirez VA, et al. Taste loss as a distinct symptom of COVID-19: a systematic review and meta-analysis. Chemical Senses. 2023;48:bjad043. This is the retracted-and-replaced version of record; the 2022 original (47:bjac001) should not be cited.
https://doi.org/10.1093/chemse/bjad043 - ٢٩.
Murphy C, Schubert CR, Cruickshanks KJ, Klein BEK, Klein R, Nondahl DM. Prevalence of olfactory impairment in older adults. JAMA. 2002;288(18):2307-2312.
https://doi.org/10.1001/jama.288.18.2307 - ٣٠.
Croy I, Hoffmann H, Philpott C, et al. Retronasal testing of olfactory function: an investigation and comparison in seven countries. European Archives of Oto-Rhino-Laryngology. 2014;271(5):1087-1095.
https://doi.org/10.1007/s00405-013-2684-9